المحافظة عاوزة تردم البسين بتاعي

28 مايو 2017
الصورة
البلد دي مش محتاجة مهندسين،البلد دي محتاجة صيع(Getty)
+ الخط -
- ممكن سؤال يا عم الشيخ؟
= اتفضل يا بني
- هو الشغل بقى حرام!!
بهذه الجملة العبقرية لخّص "بلال فضل" في فيلمه الكوميدي "وش إجرام"، الحالة التي وصل لها الشاب طه (محمد هنيدي) بعد أن كلَّ من رحلته للبحث عن وظيفة في العديد من الأماكن، والتي كان يأتيه منها جواب واحد: يللا ياض من هنا.

أصبحت أتذكر هذا المقطع من الفيلم كل صباح في رحلتي الجديدة للبحث عن وظيفة، ومحاولاتي كلها التي باءت بالفشل حتى الآن، أتذكر طه فترتسم على وجهي ابتسامة بسيطة من باب التهوين على النفس، ما تكاد تُمحى عندما أتذكر أن هذا الفيلم وهذه المعاناة كانت من إنتاج عام 2006، أي منذ نحو أحد عشر عاماً.
فأتساءل في نفسي: ماذا لو أن بلال فضل سيكتب هذا الفيلم اليوم بعد مرور أحد عشر عاماً.. ماذا إذاً سوف يكتب؟؟

الزمان: صيف عام 2007
المكان: شاليه بمرسى مطروح
أبي يجلس على كرسي أمام الشاليه وفي مقابله أمي على كرسي آخر، تفصل بينهما ترابيزة يلعبان عليها الشطرنج، وأنا أجلس بينهما بعد ظهور نتيجة المرحلة الأولى من الثانوية العامة الخاصة بي، نتناقش عما إذا كنت سأكمل "علمي علوم" أو "علمي رياضة"، كان مجموعي نحو 93%، فكان أبي يرى أن طريق (علمي علوم) مجازفة غير مأمونة العواقب، فحينها سيتحتم عليّ أن أحصل على 99% أو يزيد، كي ألحق بإحدى الكليات المسماة بالقمة (صيدلة أو طب أسنان).

وحينها قال لي أبي بنبرة الواثق: أنت تدخل علمي رياضة وتذاكر وتشد حيلك وتدخل هندسة، أهو على الأقل لما تتخرج تلاقيلك شغل علطول. وبالفعل تحققت نبوءة أبي كاملة إلا بنداً واحداً، إني مالقتش شغل.

وزارة من فات قديمه تاه للتعليم العالي
في أحد امتحانات الميدترم للسنة الرابعة من كلية الهندسة في مادة الرياضيات كانت هناك معادلة تُسمى "معادلة لابلاس" أو بالأدق "قصيدة لابلاس"، عبارة عن ثلاث معادلات مليئة بالرموز والأُسس والعلامات، الخطأ في رمز واحد في التعويض يُفسد المسألة من أولها لآخرها - يمكن البحث في غوغل عن معادلة لابلاس لمن لا يعرفها -.


وهذه المعادلة على ضخامتها تُعتبر خطوة من خطوات حل المسألة وليست المسألة بالكامل، قرر أحد أصدقائي أن هذه المعادلة اللعينة لا يُمكن أن تُضيع منه السؤال بأكمله، فكتب المعادلة على ظهر المسطرة ودخل بها الامتحان، وللأمانة قرر البقية أن يحاولوا حفظها ولكن إذا فشلوا فسوف يلجأون إلى مسطرة صديقي هذا داخل اللجنة، وبالفعل فشلنا في حفظها وقررنا استلاف المسطرة.

أثناء اللجنة، وعن طريق الصدفة البحتة، اكتشف الدكتور أمر المسطرة فأخذها من صديقي هذا وللأمانة كان رحيماً به، رُبما لأنه يعلم في قرارة نفسه صعوبة المعادلات، فتركه يُكمل الامتحان، ولكنه أمطرنا بمحاضرة طيلة اللجنة كان مفادها: يا ولاد أنا قلبي عليكم، إنكم تتخرجوا مش فاهمين حاجة، فتبقوا الاسم مهندسين بس الحقيقة بهايم، والفنيين يضحكوا عليكم بعد كده.

بعد أن تخرجت وبدأت في الاحتكاك بسوق العمل، اكتشفت أنه بالفعل كما قال الدكتور: الاسم مهندسين بس الحقيقة بهايم، ولكن ليس لأننا لم نحفظ "معادلة لابلاس"، ولكننا بهايم لأننا ظللنا خمس سنوات أو يزيد ندرس في مناهج منتهية الصلاحية.

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ، فكك من ده كله معاك واسطة؟
يقال لك بعد التخرُج وانتهائك من تأدية الخدمة العسكرية أن أولى خطوات البحث عن وظيفة، هي كتابة السيرة الذاتية الخاصة بك (الـ CV)، ولكي تجد ما تكتبه في الـ(CV) لا بد لك من تعلم الإنكليزية والتعامل مع الكمبيوتر بشكل جيد، وتعلم الإكسيل والوورد، وإذا كنت مهندساً مثلي فضف عليها الأوتوكاد والريفيت والسوليد وورك والساب والهاب ولا مانع أيضاً من الفوتوشوب، ثم إذا تعلمت هذا كله وظننت أنه قد حيزت لك الدنيا بحذافيرها، وتظُن أن بينك وبين الوظيفة أو الشركة التي تحلم بها ذراعاً، تكتشف في "الإنترفيو" أن "عمو نادر" و"عمو مدحت" و"عمو ياسر" و"عمو طارق" إلخ.. إلخ، معرفة واحد منهم فقط أفضل من معرفة جميع أنواع برامج الكمبيوتر منذ خلق الـ(DOS) ووصولاً لـ(WINDOWS 10).

أنا عاوز أتعامل معاملة حرامي غسيل
في أحد "جروبات الفيسبوك" الخاصة بالمهندسين حديثي التخرج، كتب أحدهم قصته شاكياً بالنص: روحت النهاردة إنترفيو في شركة وبعد ما فرمني أسئلة، سألني: عاوز تقبض كام؟، فقلتله: حضرتك أكيد ليكم سيستم في الشركة للمرتبات ماشيين عليه، فقام قايلي: 1800 جنيه ينفعوا معاك؟
فبيقول قمت سألته: انتوا يومية الصنايعي عندكم كام؟
قاله: 150 جنيهاً.
قاله: أنا عاوزك تعاملني كصنايعي مش كمهندس.

فردّ عليه شخص آخر في الكومنتات، بفوتو كومنت لعادل إمام في فيلم عمارة يعقوبيان مكتوب عليها: البلد دي مش محتاجة مهندسين، البلد دي محتاجة صيع!؟.

إدعيلي ياما! روح يا بني ربنا يرزقك بكفيل يهونها عليك
إذاً ما الحل؟؟ تفني نحو ربع قرن من عمرك لتكتشف أنه لم يزد عليك شيء منذ ولدت إلى الآن سوى شهادة ورقية (نصف A4) مكتوب عليها شهادة تخرج مصحوبة بصورتك مبتسماً، شهادة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ومطلوب منك أن تبدأ في رحلة أخرى ليست أقل بؤساً وهي رحلة الزواج، فيكون أمامك حلان لا ثالث لهما، إما أن تنظر للأمور بواقعية شديدة مؤلمة وتتخلى عن دراستك وشهادتك وتجمع كل سنوات عمرك التي مرت في كيس بلاستيكي أسود وترميها في الزبالة، وتبحث عن الرائج وتعمل به، تجارة عملة، وسمسار أراضي، ومطعم، وكافيه، إلخ.. إلخ.

وإما أن تترك البلد برمتها وتتحمل عناء الغربة وتُسافر للخارج وفي الغالب ستكون إحدى دول الخليج، وهذا الحل على الرغم من قساوته قد أصبح شحيحاً وصعب المنال أيضاً، نظراً للظروف الاقتصادية المضطربة التي يمر بها الخليج عموماً والمملكة العربية السعودية خصوصاً، فالحلان كلاهما مر.

البلد دي فيها خير كتير، بس إللي يسعى ويدور
ثم بعد هذا كله أستعجب ممن يستغربون من سبب إحباط الشباب ويتهمهم بأنهم كسالى معدومو الهمة سريعو اليأس وفقدان الأمل، فيحاول إقناعهم بأن هذه البلد مُمتلئة بالوظائف والشغل، ولكنهم يتبطرون.

ينتهي مشهد طه في رحلته للبحث عن الوظيفة، بأن يقابله شخص كبير في السن، فيجده حزيناً يائساً مكتئباً فهو قد فشل في الحب والشغل والزواج على حد قوله، فيقول لطه مستهجناً: يا بني إنت شاب لسه صغير والدنيا قدامك مفتوحة.. إيه إللي يخليك تيأس؟

فيرد عليه طه باندهاش وتعجب: إيه إللي خلاني أيأس! لا مفيش حاجة فعلاً تخليني أيأس، هو بس المحافظة عاوزة تردم البسين بتاع الشالية بتاعي في مارينا، وأنا بحب البسين ده أوي يا حج!؟