المجتمع المدني في ليبيا... غياب يعزّزه الانقسام

المجتمع المدني في ليبيا... غياب يعزّزه الانقسام

24 مايو 2016
الانقسام لم يسمح بتشكيل مجتمع مدني فاعل(عبدالله دوما/فرانس برس)
+ الخط -
يبدو كل شيء تحت التأسيس في ليبيا، بما في ذلك الدولة والمؤسسات والمواطنة والمجتمع المدني، إلى جانب الأحزاب والإعلام. فلم يكن هناك مجتمع مدني فعلي خلال حقبة حكم العقيد الراحل معمر القذافي التي تجاوزت الأربعين عاماً. إذ فكّك القذافي كل البنى السابقة، وأسس لنفسه شبكة صغيرة من المنظمات التي أخضعت بالكامل لتحقيق نوع من توزيع السلطة بين أبناء "القائد"، وهو ما استوجب العمل على بناء هياكل جديدة بعد الإطاحة بحكمه.
ويتفق الناشطون الليبيون على القول إن مرحلة إعادة التأسيس، التي انطلقت مباشرة بعد انهيار النظام السابق، لم تستمر طويلاً، على الرغم من الحماسة الكبيرة التي صاحبت انتخاب المؤتمر العام، إذ سرعان ما ساد الانقسام وهيمن الصراع المفتوح بين القوى السياسية الجديدة قبل أن تحال الكلمة إلى لغة السلاح والقوة. وهكذا بدل أن تتوفر الفرصة لولادة طبيعية جديدة غير مشوهة للمجتمع المدني الليبي، إذ به يجد نفسه يتشكل في سياق صراع دموي مفتوح، وفي ظل أوضاع غير مستقرة.
ويعاني المجتمع المدني الليبي العديد من الصعوبات والمعضلات، أولها ضعف نسيج الجمعيات، إذ تختلف التقديرات حول حجم المنظمات الليبية "غير الحكومية"، فهناك تقارير أنجزت عن هذا البلد ذكرت بأن عدد الجمعيات يتراوح بين 1800 و1900 جمعية. لكن جمعية "الشفافية" داخل ليبيا تعتقد بأن الجمعيات الناشطة فعلياً وعلى أرض الواقع لا تتجاوز حدود المئتين، في حين أن البقية موجودة فقط على الورق.
أما المعضلة الثانية التي تعاني منها الجمعيات الليبية، فتتمثل في أنها ضحية "الضبابية والتشرذم، وهو ما أثر على المرود العام لمؤسسات المجتمع المدني". فيما يتمثّل العائق الثالث في مسألة التمويل الخارجي الذي أثّر سلبياً على العديد من المبادرات وأضعف من مصداقية الكثير من تلك الجمعيات. إذ على الرغم من أن ليبيا ثرية بنفطها، إلا أن منظماتها المدنية وجدت نفسها مضطرة للحصول على تمويلات خارجية، وهو ما جعل الكثير منها يخضع لمنطق الإملاءات والابتزاز السياسي.


ولا يزال الجدل مستمراً بين الليبيين حول هوية المجتمع المدني. وتؤكد رئيسة "التجمع العالمي من أجل ليبيا موحدة وديمقراطية" فاطمة بن نيران، لـ"العربي الجديد"، أنها من الذين يشككون في وجود فعلي للمجتمع المدني بليبيا، معتبرة أن المجتمع الليبي قبلي، وأن القبيلة هي التي تقوم حالياً مقام الدولة التي تفككت نتيجة انهيار نظام القذافي واندلاع الحرب الأهلية وتدخّل القوى الخارجية. وتلفت إلى أن القبيلة حالياً هي الحاضنة الاجتماعية من خلال الدور الذي يقوم به "المجلس الأعلى للقبائل والمدن". لكن هذا القول لا يتبناه الكثير من النشطاء، الذين يعتبرون أن القبيلة لا تساعد على تنمية المنظمات غير الحكومية، ويطالبون بأن يبقى دور القبيلة في حدود وظيفتها الاجتماعية، وعليها أن تلتزم بعدم التدخّل في المجال السياسي.
ونظراً لغياب الدولة، تبدو الحاجة كبيرة لقيام مجتمع مدني يعمل على سد الفراغ في بعض المسائل، ويساعد على إعادة الاستقرار وتحقيق انتقال ديمقراطي سلس في ليبيا. لكن هذا المجتمع يحتاج لمناخ ملائم وتوفر عدد من الشروط. وقد أقيمت في تونس العديد من اللقاءات التي حضرها مثقفون ونشطاء ليبيون، كان آخرها ندوة حول "المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي في ليبيا: أسباب التعثر واستراتيجيات التدارك"، عقدت بمبادرة من "المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا"، الذي تأسس أخيراً وهو متخصص في الشأن الليبي، ويرأسه الإعلامي التونسي رشيد خشانة.
وأصدرت هذه الندوة توصيات عدة لإعادة بناء المجتمع المدني في ليبيا، من بينها إدخال حرية تشكيل الجمعيات والمنظمات الأهلية في نص الدستور وضمان استقلاليتها، إضافة إلى تعزيز دور مفوضية المجتمع المدني بما يُفعّل دورها ويُؤمن استقلال المنظمات الأهلية عن أجهزة الدولة وضمان عدم تبعيتها لأية جهة. كما أوصت الندوة بالتغلب على صعوبات التمويل كي لا تقع تلك الجمعيات تحت تأثير ضغوط الممولين الخارجيين، مع إيجاد آليات للمراقبة بشرط ألا تنال الرقابة من استقلالية المجتمع المدني، إضافة إلى ضرورة إيجاد مراكز وهياكل متخصصة لإعداد القيادات المجتمعية المؤهلة والمدربة، مع توفير الفرص للاطلاع على تجارب المجتمع المدني في دول الجوار والاستفادة منها. ودعت الندوة لتعزيز التعاون التونسي الليبي، لدعم مؤسسات المجتمع المدني في كلا البلدين من خلال مبادرات عدة، منها إقامة دورات تدريبية لصقل مهارات العاملين في مجالات العمل الأهلي.
وفي سياق متصل بحالة المجتمع المدني، تبرز الصحافة الليبية التي لم تنجح حتى الآن في بناء مؤسسات إعلامية حقيقية. فقد كان النشاط الإعلامي في مرحلة "الجماهيرية العظمى" بقيادة القذافي، مجرد صدى كئيب لنظام سياسي مشوّه. أما اليوم فإن الإعلام الليبي لم يتجاوز حالة التأزم الشديد، إذ يعاني من هيمنة القوى السياسية الجديدة، ويخضع للضغوط المليشياوية والمالية وجميع الأطراف المتصارعة. وفي هذا السياق، يؤكد الباحث الليبي محمد الحريتي، أن ليبيا اليوم تشكو من فقدان مؤسسات إعلامية مهنية وتفتقر لقادة الرأي.

المساهمون