المثقف بين الفكرة والسلوك

02 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
مالفا مارينا طفلة وُلدت مصابةً بداء الاستسقاء الدماغي، وماتت في الثامنة من عمرها وهي تعيش لدى أسرة هولندية تبنّتها، بعد أن نبذها والدها، وتخلت والدتها عنها. ستبدو هذه القصة عادية، وتحدُث بشكل دائم، أن يتخلّى الآباء عن أبنائهم لأسبابٍ عديدة، غير أن ما ليس عاديا في القصة أن والد الطفلة هو الشاعر التشيلي بابلو نيرودا الحائز على جائزة نوبل للآداب، نيرودا الشاعر الثوري الأممي، المنحاز للعدالة والعاشق المدهش، رفض الاعتراف بابنة أنجبها من إحدى عشيقاته، ورفض رؤيتها حين علم بمرضها. هذا الجانب المخفي من حياته، توارى خلف الشخصية التي عرف بها نيرودا: الثوري العاشق المتمرّد، الشاعر الإنساني المنحاز للفقراء والمعذّبين في الأرض، هذه هي الصورة التي صدّرت لنا، نحن قراءه في العالم. لم نكن لنعرف عنه شيئا غير تلك الصورة، لولا أن الشاعرة الهولندية هاغر بيترز عرفت قصة ابنته المنبوذة، وكتبت أولى رواياتها "مالفا" عنها وعن نيرودا. 
هل ترك هذا الجانب المخفي من شخصية نيرودا أثرا سلبيا على قرّائه ومحبيه حول العالم؟ وهل كشفه من هاغر بيترز غيّر من قيمة شعره وأهميته؟ّ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، إذ لم يُجر أحد إحصائيةً ترصد تغير مزاج محبي نيرودا، بعد كشف هذه القصة، وبالتأكيد لم يتراجع النقاد عن رأيهم بشعره، ولم يسحب منه أحد الجوائز التي نالها. بقي نيرودا الشاعر العظيم الذي أثر شعره في الملايين بالعالم. وحين الحديث عن الثورة والحب سوف يكون شعره حاضرا بقوة. بيد أن ثمة نقطة سوداء في تاريخه، لا يمكن لشعره العظيم أن يمحوها، ولا تغفرها له ثوريته وأمميّته، وحتما لن تغطيها الجوائز العالمية التي حصل عليها، هذه النقطة سيراها من يبحث عن الانسجام بين الإبداع والحياة الشخصية، من يرى أن الالتزام الأخلاقي والإنساني في الإبداع ملازم لمثيله في الحياة، وإلا فسيكون الإبداع مزوّرا، وفي أحسن الحالات كاذبا. وفي حالة نيرودا وما يشبهها، لن يكون أعذب الشعر أكذبه فقط، بل ستكون أعظم الثورية أكذبها أيضا، إذ إن الثورة أولا، هي التزام بالقضايا الإنسانية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، حين يكون سلوك الثوري في حياته الشخصية مناقضا لأقواله، ولما يطرحه من أفكار، فثمّة ما يجب الوقوف عنده، والإشارة إليه بقوة.
الحديث عن نيرودا مجرد مثال عن التناقض بين الأفكار والسلوك، وإن يمكن إيجاد مبرّرات وذرائع تخفف وطأة الاتهام عن تاريخه، كطيش الشباب والندم اللاحق، وإلى ما هنالك من مبرّرات منطقية، غير أننا حاليا، في بلادنا العربية، نشهد مواقف لمثقفين ومبدعين من الثورات العربية، يمكن القول إنها متخاذلة ومخزية، وتدل على تناقضٍ فاضح بين السلوك والأفكار، لا يمكن تسويغه، ولا إيجاد مبرّرات له، إذ لا يمكن استيعاب وفهم حالة المثقفين العرب الذين يقفون في منطقة متناقضة مع الثورات والتغيير السياسي، أو حتى في منطقة الحياد منها، مهما كانت الثورة، ومهما كان شكلها، وأيا كان من قام بها، فالثورة هي حركة المجتمع ضد جموده، هي إعادة إحياء للمجتمع، ما شهدته بلادنا من ردّة مجتمعية بعد الثورات، ليست الثورة سببه، بل حالة السكون والاستقرار الآسن الذي فرضته أنظمة الاستبداد عبر عقود طويلة. فإذا كان شرط الثقافة الأول هو الشك، فمن غير المفهوم موقف بعض المثقفين من الثورة، فالثورة هي شك في القيم والمعايير السائدة التي تتوقف عن رفد المجتمع بما يحييه من جديد. الثورة هي إعادة سحب الحياة من فم الموت، وإعادة خلقها. أية حركة في المجتمع هي ثورية، لأنها تعيد الجدل إلى الفكر بعد زمن من الركود والثبات. الإبداع قائم أصلا على الجدل، فكيف لمبدع أو مثقف أن ينحاز ضده وضد الحياة، كيف لمبدع أن يصطفّ في جهة الموت والسكون؟ كيف سيصدق قارئ شاب إبداع مبدع عربي (كبير) ينحاز إلى الصمت ضد هتافات الشعوب وصرختها، وينحاز إلى السكون ضد الحراك التغييري، وينحاز إلى ظلام الأنظمة ضد النور الذي يقدح من احتكاك أجساد المطالبين بالتغيير في شوارع البلاد العربية؟ فإذا كان ثمّة من لا يزال يصدّق هؤلاء المبدعين والمثقفين، فإن الملايين من شباب العرب سوف يسقطون هالة الإبداع والنخبوية عنهم، أو على الأقل، سوف يدلّ التاريخ عليهم، وبقوة، فإذا كان التاريخ لم يغفر خطيئة شخصية لشاعرٍ، مثل بابلو نيرودا، فهل سيغفر لبعض المبدعين العرب سقوطهم في امتحان الأخلاق والانحياز للثورة في وجه أيديولوجياتهم المريضة؟