المتوسط الذي يحتاج مزيداً من الحوار

08 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يكن المتوسط مجرد فضاء تاريخيّ، له زمنيته الخاصة، بل كان شخصيّة تاريخية فذّة تحكمت في مصائر العالم، إلى أواخر القرن التاسع عشر، بأشكال مختلفة، ما زالت تؤثر في التطورات الراهنة، كما ذهب إلى ذلك المؤرخ الفرنسي المرموق، فرناند بروديل، الذي عشق المتوسط، وتفرّغ له موضوعا لكتاباته، منذ أطروحته الأكاديمية في أربعينيات القرن الفارط إلى وفاته سنة 1985. كانت روحه حاضرة في مداخلات عديدة في منتدى "حوار المتوسط" في روما، أيام 5 و6 و7 ديسمبر/كانون الأول الحالي. 
كان المتوسط الفضاء التاريخي لعلاقات التبادل والمنافسات والنزاعات بين الحضارات المتجاورة التي لم تكن تصدّر لبعضها السلع والبضائع فحسب، بل أيضا البشر والأفكار والصور وطرق العيش. لم يعد الأمر كما كان عليه قبل قرون، ولكن كل المؤشرات تفيد بأنه ما زال "فضاء" يعبره البشر بكثافة في اتجاهات مختلفة ولغايات وأسباب متنوعة، على الرغم من إصرار الدول، عبر إجراءات وتشريعات عديدة، إلى حصره في مجال تعبره السلع والخدمات.
شهد المتوسط، منذ قيام الثورات والانتفاضات في ضفافه الجنوبية مند سنة 2010، اندلاع موجاتٍ غير مسبوقة من التدفقات المختلفة للهجرة (مهاجرين، لاجئين...)، عدلت المشهد الهجري بشكل عميق في هذا الفضاء، وسط انهيار منظومات الحدود في أكثر من بلد. وفي سياقٍ تنامت فيه نزعات الخوف من الأجانب عموما، وهو ما حثّ السلطات الإيطالية التي تعد الجبهة الأولى في "استقبال" تلك التدفقات إلى تنظيم هذا المنتدى في دورته الأولى سنة 2015، ليتحول بعدها إلى لقاء سنوي، يتسع لقضايا وبلدان لا تنتمي تحديدا إلى المتوسط جغرافيا، ولكنها تنتمي إليه بالمعنى الجيوسياسي، فقد شارك في هذه الدورة أكثر من 50 بلدا، بعضها من آسيا والآخر من أفريقيا وأميركا، وهي بلدان لا تطل مباشرة على المتوسط، ولكنها مرتبطة به بحكم المصلحة ومقتضيات العوامل الجيوسياسية المذكورة، فالمتوسط يطل على القارات، أفريقيا وأوروبا وآسيا، وثلاثتها تشهد، منذ سنوات، موجة غير مسبوقة من الثورات والانتفاضات والحروب التي كان لها صداها وارتداداتها على العالم.
كانت هذه القضايا حاضرة في الأربعين جلسة التي انتظمت خلال الأيام الثلاثة، خصوصا أن ما يناهز 80 مركز تفكير وبحوث (ثانك تانك) كانت قد تناولت في جلسات قيّمة مختلف تلك القضايا، إضافة إلى مسائل أخرى، ذات بعد كوني، على غرار التغيرات المناخية والركود الاقتصادي والسلامة المعلوماتية والجريمة العابرة للحدود.
ولا شك أن إيطاليا، بهذه المبادرة، تحرص على التمايز مع فرنسا التي شكلت تاريخيا اللاعب 
الأهم في حوض المتوسط، لأسباب تاريخية، لعل أهمها الحضور البارز منذ القرن التاسع عشر في تاريخ الضفة الجنوبية منه: دول المغرب العربي التي ظلت مستعمرة لها مدة تجاوزت القرن والنصف القرن تقريبا. ولعل هذه الأسبقية التاريخية أوجدت هيمنة فرنسية ما بسطت، بمقتضاها، رؤية معينة للمشكلات والحلول التي عرفها حوض المتوسط أخيرا، علاوة على الشراكة والتعاون الثنائي بين البلدان المطلّة عليه. ولكن يبدو أن إيطاليا تريد من ذلك استئناف ما أكده السياسي الإيطالي، رومانو برودي، سنة 2005، من سياسة حسن الجوار الأوروبي، قاصدا بذلك بلدان الضفة الجنوبية منه تحديدا، خصوصا أنها قد فطنت إلى أهمية استعادة المبادرة على نحو يسمح لها (إيطاليا) بتعديل الكفة من أجل سياسة متوسطية أكثر توازنا وتعدّدا.
كانت الخلافات العلنية بين إيطاليا وفرنسا خصوصا حول ملفات عديدة منها: النزاع في ليبيا والتعاطي مع ملفات المهاجرين، وراء هذا المنتدى. ولعل في اختيار المنظمين مفردة "الحوار" ذكاءً تسويقيا مهما، ينزع إلى القطع مع فرض الأمر الواقع الذي أملته فرنسا على جيرانها في المتوسط، بمن فيهم إيطاليا.
وقد انعقد المنتدى وسط تزايد مخاوف الأوروبيين تحديدا من اتساع رقعة النزاع الليبي، وهم لم يصدّقوا بعد أن النزاع السوري ذاهب إلى "الطي والنسيان"، حتى ولو كانت تكلفته الإنسانية والأخلاقية باهظة جدا. وتحتاج قضايا المتوسط إلى حوار، خصوصا وقد تحول، في السنوات الأخيرة، إلى مقبرة مائية عائمة شاهدة على عطب عميق، استفحل في الضمير الإنساني. ربما تكون الضربات الإرهابية التي هزّت أوروبا، وتسلل بعض مرتكبيها من دول جنوب المتوسط، قد شكلت هذا المناخ المتسمم، ولكن لا شيء يبرّر كل هذا الانغلاق والتشدد، وقد كان المتوسط صرّة العالم المشدودة إلى شواطئه وضفافه سلع وأفكار وبشر تتدفق بهم موجاته، العاتية حينا والصاخبة حينا آخر.