المتمرغون في الوحل

25 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -

يأبى الله إلا أن يذل من عصاه، ويفضح أمره ويكشف سوءته، ويهتك ستره. ألم تسمع إلى الله يقول"ومن يهن الله فما له من مكرم"؟ إن صمود الأحرار في غزة، على الرغم من قساوة الحرب وضراوتها، يدفع كل حر، مسلم أو غير مسلم، إلى أن يقف معهم، ويدافع عن قضيتهم، ويعمل على استرداد حقوقهم، بدلاً من أن يكون شوكة في ظهورهم.

لكن، هناك فئة من البشر، للأسف من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، غير أنهم ألفوا المذلة والهوان، وما عادوا يطيقون حياة الشرف والكرامة، يتنفسون المهانة، ويعشقون العبودية، يسيرون وفق أهواء سادتهم وكبرائهم، يبتغون عندهم العزة، فكان أن كتب الله عليهم الصغار والمذلة.

ويخرجون علينا بمبادرة لوقف إطلاق النار، عن أيّة مبادرة يتحدثون؟

أيّة مبادرة تلك التي تَسمُ المعتدى عليه بسمة الغاشم المعتدي؟ أيّة مبادرة تلك التي تغض الطرف عن الدمار، والخراب، والدماء والأشلاء؟ أيّة مبادرة تلك التي تبشر، وتؤذن بمزيد من التركيع، والانبطاح على أعتاب المجرمين البغاة، من صهاينة وأميركيين؟ أيّة مبادرة تلك التي تسوي بين الضحية والجلاد، وتصف الدفاع المشروع، عن النفس والأرض والعرض، بالأعمال العدائية والعنف؟

أيها المتمرغون في الوحل: كفوا عنا قذارتكم، فلو التزمتم الصمت، لكان أقوم لكم، فمبادرتكم خرجت من رحم المهانة سفاحاً، عشية قدوم مبعوث أميركا إلى مصر السيسي. والحقيقة أنني ما كنت أحسب أن العلاقة الزوجية بين مصر السيسي وأميركا يمكن أن تنجب بهذه السرعة، وتكشف عن مولود جديد في شكل تلك المبادرة التي يمكن أن نصفها بمبادرة العهر والعار.

مبادرة تطلق قبل اجتماع وزراء خارجية العرب، ليقيموا عليها حفلهم، فالقوم لا شيء عندهم، ولا هدف لديهم من اجتماعهم، وهم، في الوقت نفسه، أعجز وأضعف من أن يتخذوا قراراتٍ، توصف بالجرأة والشجاعة.

إذن، فلتأتهم تلك المبادرة التعيسة ليتبنوها، ويعملوا على تفعيلها، ذراً للرماد في العيون. والغريب أن إسرائيل هي أول من يبادر بإعلان الموافقة عليها، على عكس مواقف سابقة لها. الأمر واضح بيّن، فإسرائيل تعلم يقيناً أنها الخاسر الوحيد في هذه الحرب، لو استمرت نارها مشتعلة، وأنها ستفضح "بجلاجل" أمام شعبها، بعد أن صدرت له أماني الوهم الزائف عن الأمن والاستقرار، وباتت عاجزة عن إيقاف صواريخ المقاومة التي تتساقط على رؤوس مستوطنيها.

كما أنها تخشى التورط في عملية برية، أشبه ما تكون بعملية انتحارية، بعد أن فاجأتها المقاومة بالتطور النوعي في المنظومة العسكرية التي تمتلكها، ما سيكبدها خسائر تفوق كل التوقعات، وهي تعلم ذلك بيقين.
ثم نجد إسرائيل تدفع أميركا لطرح الوساطة كي تنقذها من هذا المستنقع الوخم الذي سقطت فيه، فقامت الأخيرة بدورها، وقد أوعزت إلى حليلتها مصر السيسي، لطرح مبادرة العار. وتسرع إسرائيل للقبول بالمبادرة، لتحفظ بذلك ما تبقى من ماء وجهها أمام شعبها وأمام العالم، مسلسل من الخزي والعار، لا تنطلي أحداثه إلا على المغفلين السذج، وما أكثرهم. لكن حماس والمقاومة هي من سيقرر في نهاية الأمر، وهي التي بيدها إنهاء الحرب، فأيّة مبادرة لا تتفق مع مصالح المقاومة، ولا تلبي رغبات الشعب الفلسطيني، فلتذهب مع أصحابها إلى الجحيم.

وقد أعدت المقاومة نفسها لجهاد طويل، وهي، بفضل الله، تجني كل يوم ثمار جهدها وجهادها على المستويات كافة، وتكتسب احترام وتقدير كل الشعوب الحرة الأبية، أما الأنظمة فلتذهب إلى الجحيم، فهم قد ألفوا التمرغ في وحل المذلة، ولا عزاء للمستذلين الخانعين.

1D29F77B-EF9E-42AC-A0F8-D092B3BD9CE6
1D29F77B-EF9E-42AC-A0F8-D092B3BD9CE6
جميل الإمام (قطر)
جميل الإمام (قطر)