المتعة تُسرق من الليبيين

04 يونيو 2019
الصورة
صلاة العيد (حازم تركيا/ الأناضول)
كما في كل عام، يؤثر ارتفاع الأسعار وغياب السيولة النقدية على فرحة الليبيين بالعيد. وزاد الطين بلة هذا العام نتيجة الحرب المشتعلة جنوب طرابلس، وقد امتدت تأثيراتها إلى غالبية المناطق الأخرى. وتتركز في جنوب طرابلس معظم أسواق الجملة الكبرى التي تزوّد الأسواق الأخرى داخل العاصمة أو خارجها بالبضائع. لكن غالبيّتها أقفلت تماماً بسبب وقوعها داخل مناطق الاشتباكات الحالية.

يقول خالد أبوقرين، صاحب متجر ملابس في شارع الجرابة الرئيسي في طرابلس: "الأسعار تضاعفت بالمقارنة مع العام الماضي"، مشيراً إلى أن التجار يخشون اتساع رقعة الحرب ووصولها إلى مخازن متاجرهم، ما جعلهم يرجئون استيراد ملابس العيد حتى أيام قليلة مضت". ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "عمليات الاستيراد من الخارج تأثرت، إضافة إلى استغلال تجار الحرب الوضع ورفع الأسعار". ويقدّر سعر قطعتين من ملابس الطفل بـ 300 دينار ليبي (نحو 213 دولاراً)، وهذا سعر وسطي.

من جهتها، تسأل أم حلا وهي أم لخمسة أطفال: "ماذا في استطاعة العائلات أن تفعل، إذ كانت قطعة ثياب واحدة لطفل تساوي ثلث الراتب؟"، مشيرة إلى أن شراء قطعة بنطال أو بلوزة للطفل وليس طقماً كاملاً سيبدو عادياً بالنسبة لغالبية العائلات بسبب الظروف الصعبة التي تتكرر عاماً بعد عام".

وفي حديثها لـ "العربي الجديد"، تقول أم حلا إنها ربما تشتري بنطالاً فقط لابنها البكر كونه راشداً، "وفي إمكانه تقدير الظرف المادي على عكس طفلتي الأصغر. لا أريد أن تذهب فرحة العيد ولو نسبياً عن أسرتي".



أم حلا أرملة تعيل خمسة أطفال وتعيش في بيت شقيقها بعدما غيبت الحرب والدهم الذي قُتل وهو يشارك في عمليات القوة الثالثة في جنوب ليبيا عام 2014.

وعن البدائل التي قدمتها الحكومة لمواجهة نقص السيولة النقدية كالشراء بالصكوك أو البطاقات الإلكترونية، يقول فوزي العريفي إنها "غير كافية". ويوضح الموظف في قطاع الاتصالات في طرابلس، لـ "العربي الجديد"، أن "رصيد بطاقة التداول مثلاً، وهي بطاقة إلكترونية قليل ولا يتجاوز 3000 دينار (نحو ألفين ومائة دولار)، وبالكاد يغطي المبلغ مصاريف رمضان. فما بالك بملابس العيد؟". ويسأل: "إذا كان الشراء فيها مقبولاً في طرابلس، فماذا عن المناطق النائية التي لا تمتلك فيها هذه الشركة مصارف يمكن أن تتعامل من خلالها مع التجار؟".

وفي ظل غياب السيولة النقدية، يضطر المواطن الليبي إلى الاعتماد على الصكوك المصدقة أو عمليات التحويل المصرفية أو البطاقات الإلكترونية التي شاعت من خلال شركات خاصة، ليتمكن من شراء ملابس العيد والأحذية. لكنّ بوقرين يؤكّد أنها تكلّف المواطن دفع المزيد من الأموال كنسب تشترطها المصارف للتحويل، أو الشركات الخاصة للتربح.

ويقول بوقرين لـ "العربي الجديد": "كتاجر تضطرني السلطات الحكومية إلى إضافة نسبة للبيع بالصك أو التحويل المصرفي إذ لا يمكنني الحصول على أموالي نقداً، بدلاً من خلال شراء عملات أجنبية وبيعها مجدداً بالعملة الليبية" وهي عملية معقدة. يضيف أن التاجر يضطر إلى وضع نسب إضافية على المبيعات تلافياً للخسارة، مؤكداً أن غالبية المواطنين يضطرون للأمر خلال هذا الشهر بسبب مصاريف شهر رمضان الإضافية.

لكن العريفي يقول إن التجار يستغلون مثل هذه المناسبات الدينية ويرفعون الأسعار لتحقيق مكاسب أكثر، مؤكداً أن "غالبية البضائع المعروضة ليست جديدة". وفي وقت كان العريفي يتحدث عن تراجع قدرة المواطن الشرائية، يؤكد حازم بالشيخ أنه غير قادر تماماً على شراء أي من لوازم العيد.

ويوضح بالشيخ الذي نزح برفقة أسرته وجيرانه من منطقة عين زاره إلى تاجوراء في طرابلس، لـ "العربي الجديد": "نقيم في مصنع مهجور ونقاوم من أجل تأمين ما يسد احتياجاتنا اليومية. من الطبيعي ألا نفكر في العيد أصلاً". ويقول لـ "العربي الجديد": "الحمد لله أن طفليّ دون الثلاث سنوات، ويمكنني ألا أشتري لهما ملابس جديدة في العيد. لكن ماذا عن جيراني؟ سيكون الوضع مؤلماً بالنسبة إليهم لأن أطفالهم لن يرتدوا ثياباً جديدة هذا العام. معظم الناس لا تفكر إلا في بيوتها".



ويلفت بالشيخ إلى أن جمعية خيرية في المنطقة أبلغت النازحين بتوزيع ملابس العيد عليهم. لكنه يؤكّد أن الكثير من أصدقائه لن يقبلوا المساعدات التي يراها المواطن صدقة لا تجوز عليهم. الوضع فرض علينا". ويقول: "قبل شهرين، كنا مواطنين من أصحاب الدخل المتوسط ونسد احتياجاتنا. اليوم، نقبل المساعدات والملابس".

وتعمد الجهات الأمنية التابعة لحكومة الوفاق إلى منع مرور السيارات في الشوارع الكبرى المكتظة بالمحال التجارية في تاجوراء وشارع الجرابة وشارع أبو سليم وغيرها. لكن بوقرين يؤكد أن الإقبال ليس كبيراً هذا العام على الشراء، عازياً الأسباب إلى الحرب القائمة جنوب المدينة، ما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من أهالي العاصمة إلى مدن الجوار، إضافة إلى غلاء الأسعار وغياب السيولة النقدية.