المتشددون الجدد وسرايا المقاومة يهددون مخيم عين الحلوة بالانفجار

المتشددون الجدد وسرايا المقاومة يهددون مخيم عين الحلوة بالانفجار

23 مايو 2015
أرضية العمل الجهادي موجودة في عين الحلوة (فرانس برس)
+ الخط -
يغلي مخيّم عين الحلوة ولا ينفجر. عند المدخل الجنوبي لمدينة صيدا (جنوبي لبنان)، تندمج كل مفردات البؤس والفقر وملحقاتها الاجتماعية والسياسية والأمنية والأخلاقية، لتخلق مخيّماً أقل ما يُقال فيه إنه غابة بشرية. هو المخيم الأكبر للاجئين الفلسطينيين في لبنان، منذ النكبة وما لحقها من نكسات وتهجير وحروب. يضم قرابة 80 ألف لاجئ، أضيف إليهم 12 ألفاً آخرون أتوا بعد تهجيرهم من مخيم اليرموك في سورية.

يعيش عشرات الآلاف في مخيّم تقلّ مساحته عن كيلومترين مربعين. تكفي هذه المعلومة والكثافة لتهيئ زوّار المخيم لما ينتظرهم في الداخل. أضيف إلى هذا الواقع الصعب الصراع القائم في كل المنطقة، بين السنة والشيعة، وفي المخيم وجواره بين حزب الله ومجموعات سرايا المقاومة (مليشيات أسسها الحزب في المناطق) من جهة، وقوى إسلامية سنية متشددة من جهة أخرى. فاكتمل مشهد الصراع وبدأ بالتبلور، لتصبح الخلافات والمنافسة بين الفصائل الفلسطينية من الكماليات الأمنية والسياسية.
هذه الفصائل باتت واقعة بين تيارين إسلاميين قد يكونان جارفين للفتنة المذهبية. وقد بدأت المعركة بين الطرفين بشكل خفي من خلال سلسلة اغتيالات نفذت بحق محسوبين على حزب الله في المخيم وخارجه.
في عين الحلوة طريقان رئيسيان والباقي أزقة ودهاليز أشبه بالأنفاق أو الممرات الداخلية، ويتمحور حولهما وبينهما كل شيء، من "حق العودة" إلى أبسط باقة خضروات تعجز بعض العائلات عن شرائها حتى.

اقرأ أيضاً لبنان: انتشار القوة الأمنية الفلسطينية في مخيم عين الحلوة 

في هذا المكان لا يزال للألف ليرة اللبنانية (0.7 دولار أميركي) كلمتها. فيمكن بألفي ليرة شراء كيلو دجاج أو أكثر، في حين أنّ أسواق عين الحلوة لا تنضب وتكاد لا تنام. لا يتطلّب الدخول إلى المخيم الكثير من العناء، فقط إبراز بطاقة هوية عند حاجز الجيش اللبناني وتقديم بعض الأجوبة المقنعة للعنصر الذي يفتش السيارة. "من بيروت، موظف في شركة تأمين، أتيت لزيارة أحد الأصدقاء"، عبارة كفيلة لنيل إيماءة الرأس اللازمة لتتابع سيارة الأجرة بلوحتها المدنية (لوحة غير عمومية) طريقها إلى أحد مداخل عين الحلوة.
بعد أمتار من هذا الحاجز الذي يعمل على التدقيق بكل ما في السيارة من أشخاص وأمتعة، تبدأ المعالم بالتغيّر. هنا يمكن مشاهدة ثلاث منقبات يمشين وراء محرمهن، وفي الزاوية نفسها صبية وضعت وروداً بين خصل شعرها وتلتقط "سيلفي" في أحضان شجرة غاردينيا. كل شيء ممكن في هذا المكان، ببساطته وتنوعه وفقره.

يظهر المسلحون في الشوارع بثياب شبه عسكرية. وهويّاتهم السياسية تمكن معرفتها من رسم على الحائط أو من غابات الأعلام الحزبية. فتختلف مظاهر المسلحين مع تقدّم السيارة. عند المدخل، عناصر من القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة (أي اجتماع الفصائل)، ثم مسلحون بلحى كثّة وطويلة، يبدون أكثر تنظيماً من غيرهم، ولو أنّ لباسهم غير موحد وكذلك أسلحتهم. هؤلاء هم أنصار "تجمّع الشباب المسلم"، الذي تنضوي فيه مجموعات إسلامية متشدّدة. يتشكل التجمّع من بقايا تنظيم "جند الشام" (فصيل فلسطيني متشدد) ومقاتلين سابقين من "فتح الإسلام" (التنظيم الذي خاض معركة نهر البارد في شمالي لبنان بين عامي 2007 و2008)، ومن قادته أسامة الشهابي وتوفيق طه وهيثم الشعبي، بالإضافة إلى بلال بدر الذي لم يتم الرابعة والعشرين من عمره بعد وبات قائد فصيل مسلح يتجاوز عدده الثلاثين مقاتلاً.

الحركة الجهادية
استجدّت الأزمة في عين الحلوة مع بروز "الشباب المسلم"، إذ يعني ذلك بشكل أو بآخر أنّ الحالة التكفيرية قد تكون تطرق أبواب المخيّم بشكل جدي. ولو أنّ الحالة المتشددة سبق ودخلت إلى هذين الكيلومترين المربعين منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع الشيخ هشام شريدي الذي أسس تنظيم "عصبة الأنصار". وفي وقت لاحق، تزّعم "العصبة" أبو محجن، أحد أبرز المطلوبين للدولة اللبنانية والمتواري عن الأنظار منذ العام 1995، بعد اتهامه بالقيام بعمليات اغتيال. وهو مستمر في التواري منذ ذلك الحين، في حين يشير العارفون بشؤون عين الحلوة لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "أبو محجن خرج من المخيم أكثر من مرة، وشارك في القتال في العراق إلى جانب تنظيم القاعدة بعد الاجتياح الأميركي"، ثم عاد ودخل قبل أعوام وبات يشغل منصب مرشد عصبة الأنصار.

إذاً أرضية العمل الجهادي موجودة في عين الحلوة، على الرغم من تأكيد مسؤولي الفصائل على "عدم وجود أي تنظيم تكفيري جدي" في مخيّمهم. يقول نائب المسؤول السياسي لحركة حماس في لبنان، أحمد عبد الهادي، لـ"العربي الجديد" إنّ "حالات إسلامية متطرفة نشأت في المخيم وتطورت لاحقاً ليصبح الحديث عن وجود فكر داعشي أو فكر قريب من النصرة". عبد الهادي، المكلف مهمة الإشراف على ملف مخيم عين الحلوة في "حماس"، يجزم في الوقت نفسه أنه "لا يوجد في المخيم أي إطار تنظيمي أو علاقة عضوية بين هذه المجموعات وبين داعش أو النصرة". يشير إلى "تجمّع الشباب المسلم" ويضيف أنّ في المخيم "أفراداً لديهم فكر قريب من داعش، تماماً مثلما في أي منطقة أخرى، ولو ترك الأمر لهم بالتواصل مع الخارج، لكانوا أسسوا تنظيمات لداعش والنصرة وكان الوضع أسوأ".
ويشدد عبد الهادي على أنّ جهود القيادة الفلسطينية المشتركة وعملها على تأسيس اللجنة الأمنية العليا يساهم في منع هذه الحالات من التمدد والتطوّر. إلا أنّ واقع الأمور يشير إلى أنّ هذه الحالات المتشددة تمكنت منذ أكثر من عامين من تحصين نفسها وتأمين منطقة نفوذ لها في المخيم وعلى تخومه في المنطقة المعروفة باسم "تعمير عين الحلوة"، والتي شكلت ملجأً مثلاً لتنظيم "فتح الإسلام" قبل سنوات ولأعوان الشيخ الفار أحمد الأسير (بعد معركة عبرا)، بالإضافة إلى أبرز المطلوبين من مدينة طرابلس (شمالي لبنان)، شادي المولوي. الأمر الذي يعني أنّه بات في المخيم حاضنة لحالات التشدّد والخارجين على القانون على حدّ سواء، وهو أمر لم تتمكن الفصائل الفلسطينية من مواجهته ومنع قيامه. إلا أنّ قائد القوة الأمنية الفلسطينية في لبنان اللواء منير المقدح، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "المخيم لا يشكل خطراً على نفسه وعلى محيطه"، مشيراً إلى أنّ قرار الفصائل والقيادة الفلسطينية واضح بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية والحفاظ على الأمن فيه وفي جواره.
ويعتزّ المقدح بأنه طوال أربع سنوات من الحرب السورية وما رافقها من شحن مذهبي لم يدخل المخيم في هذه الحرب. ويضيف "أتحدى أن يكون خرج من عين الحلوة أي عبوة أو سيارة مفخخة أو أي شيء أساء للبلد أو هدد أمنه، بحسب ما يحب البعض أن يشيع". يؤكد المقدح أنّ المخيم تمكن من تحييد نفسه عن الداخل اللبناني والداخل العربي.

اقرأ أيضاً: لبنان.. النكبة ليست ذكرى

سرايا حزب الله

في الجانب الآخر، بدأت حركة "سرايا المقاومة" تنشط في المخيم وعلى حدوده في "التعمير" منذ أحداث عبرا. فعين الحلوة وتعميرها ملاصقان لمنطقة "حارة صيدا" المحسوبة سكانياً ومذهبياً على حزب الله. في هذا السياق، يقول معنيون بعمل السرايا لـ"العربي الجديد" إنّ "حزب الله اتخذ قراراً منذ أحداث عبرا بعدم قيام أي تنظيم فعلي للسرايا داخل المخيم". فتم حسم هذا النقاش "ليقتصر نشاط السرايا في عين الحلوة على مجموعات شبابية صغيرة في حين يكون الثقل الكبير في التعمير هي منطقة عيش مشترك مفترض بين السنة والشيعة وفيها نفوذ جدي للقوى التكفيرية". من هنا يمكن فهم حركة "سرايا المقاومة" التي يقول أحد المطلعين على أجوائها إنها بقيادة أحد أبناء آل الديراني.
تتراوح الرواتب الشهرية للشبان المنضوين تحت لواء السرايا بين 300 و400 دولار، وهو مبلغ ممتاز في مخيم تفوق نسبة البطالة فيه السبعين في المائة من سكانه، في حين تدفع اللجنة الأمنية الفلسطينية العليا (التي تجمع كل الفصائل الرئيسية) لعناصرها رواتب بقيمة 250 ألف ليرة لبنانية، أي 170 دولارا فقط. الأمر الذي يدفع عشرات الشبان إلى التعاون مع سرايا حزب الله بغية تحسين أوضاعهم. ومن هنا لا يمكن استغراب لجوء الشباب الفلسطيني إلى المتشددين السنة أو الشيعة على حدّ سواء، بحثاً عن واقع اجتماعي واقتصادي أفضل.
في المخيم والتعمير تعمل هذه السرايا على استلام مقاه صغيرة وتدأب قيادتها على تأسيس زوايا شبابية، تنشط فيها حركة الأراكيل وغيرها. فتكون الشوارع تحت المراقبة من جهة والأرض بيدهم من جهة أخرى. كما عملت السرايا في الآونة الأخيرة على تركيب كاميرات مراقبة في الأحياء، الأمر الذي اعتبر استفزازاً للجميع، للشباب المسلم وللفصائل الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: الجيش الرديف لحزب الله يتشقق


تصفيات واغتيالات  

منذ مطلع عام 2015، تمّت تصفيات خمسة من عناصر سرايا المقاومة في المنطقة، وهم محمد الجنداوي، عيسى فارس، محمد رحال، مجاهد بلعوس وأبرزهم مروان عيسى الذي شيّعه حزب الله بشكل علني، وسط وعود مبطّنة بالثأر وعدم السكوت عن الاستهداف المتلاحق للمحسوبين عليه. وتجمع الفصائل الفلسطينية على القول إنّ "مبررات قتل هؤلاء من قبل تجمع الشباب المسلم أنهم تابعون لحزب الله"، بالإضافة إلى اتهامات أخرى مثل "القتال في سورية، شتم الدين أو الصحابة أو العمل ضد مصلحة المخيم".
دفعت هذه الاغتيالات قيادات أمنية لبنانية إلى عقد اجتماعات مكثفة مع مسؤولي الفصائل الفلسطينية. وبرز في هذا الاجتماع "تخوف واضح لدى ضباط لبنانيين من انفجار الوضع في المخيم وفي التعمير نتيجة الشحن المستمرّ"، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد" أحد المشاركين في هذه الاجتماعات. ونتيجة ذلك، تم الطلب بشكل حاسم من القيادة الفلسطينية المشتركة اتخاذ خطوات ميدانية وسياسية لضبط الأوضاع والإمساك بالوضع على الأرض. وفي هذا الإطار جاء الانتشار الأمني لعناصر اللجنة الأمنية في الأسبوع الأخير، بالتنسيق والتواصل التام مع قيادة الجيش اللبناني.
لكن من يعرف طبيعة الأمور في عين الحلوة وكيفية سيرها يفهم تماماً أنّ هذه "الخطوات لا تساهم إلا في تكوين أمن صوري"، باعتبار أنّ المطلوب أكثر من ذلك بكثير. فالفصائل بوضعها الحالي عاجزة عن مواجهة المتشددين وكذلك هي حال الجيش. وبالتالي الصدام إذا وقع بين هذه المجموعات وسرايا حزب الله ستكون الفتنة المذهبية وقعت بأوضح صورها. الأمر الذي يدفع الأجهزة الأمنية اللبنانية والفصائل على حد سواء إلى البحث عن إعادة إحياء شخصيات وتنظيمات قادرة على المواجهة. ويزداد الخوف اليوم من انفجار الوضع في عين الحلوة على أعتاب المعركة الحاصلة في القلمون الغربي على الحدود الشرقية بين لبنان وسورية. وما فهمه عدد من قادة الفصائل أنّ تجمع الشباب المسلم مستعد لفتح معركة مع السرايا في التعمير في حال تنفيذ حزب الله ما لمح له أمينه العام، حسن نصر الله، خلال خطابه الأخير باستهداف مخيمات اللاجئين في جرود عرسال (شرقي لبنان) بصفتها منبعاً وأرضاً للمقاتلين السوريين في القلمون.
وفي هذه الحالة، قد يبدو الانفجار قريباً في صيدا، وسط تعقيدات سكانية وديمغرافية ومذهبية كبيرة، إذ إنّ في صيدا أكثر من 120 ألف فلسطيني يتوزعون في المدينة وفي مختلف المخيّمات فيها. بالإضافة إلى 16 ألف لاجئ فلسطيني آتوا من اليرموك.
بات مخيم عين الحلوة يحمل كل الصفات اللازمة ليحلّ مكان مدينة طرابلس (شمالي لبنان) كصندوق بريد أمني مرشّح فوق العادة للانفجار.

اقرأ أيضاً: معاناة "عين الحلوة" في معرض صور

المساهمون