المأزق السعودي بعد ضرب أرامكو

29 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تمثّل الهجمات التي استهدفت منشأتي نفط سعوديتين تابعتين لشركة أرامكو، في أبقيق وهجرة خريص، في 14 سبتمبر/أيلول الجاري، نقطةَ تحوّلٍ في مسار علاقات الرياض وطهران، سيكون لها ما بعدها على الصعيد الإقليمي، ما قد يجعل المشهد حافلاً بالتعقيدات التي تندرج في إطار عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. 
من المحتمل أن تتم هذه العملية، في ظلّ مستوى أقل من التدخل والنفوذ الأميركيين في المنطقة، ربما مع حضورٍ أكبر لكل من روسيا والصين في رسم التوازنات الاستراتيجية الجديدة، خصوصاً مع بروز متغيرين متداخلين؛ أحدهما تفاقم مآزق/ متاعب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الداخلية والخارجية، وجديدها توجيه رؤساء ثلاث لجان في مجلس النواب (الخارجية، والاستخبارات، والإشراف على السلطة التنفيذية) مذكرة استدعاءٍ إلى وزير الخارجية، مايك بومبيو، لتقديم وثائق بشأن أوكرانيا، في إطار المساعي لمساءلة الرئيس ترامب تمهيداً لعزله. والآخر تصاعد مشكلات حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، بدايةً من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد انتخابات الكنيست المعادة أخيرا وأزمة تشكيل الحكومة، مروراً بتآكل مكانة السعودية وفقدانها قسماً معتبراً من قدراتها المالية، سواء بسبب كلفة تمويل حرب اليمن أو الهجمات على منشأتي "أرامكو" التي وجهت ضربة غير مسبوقة لسمعة السعودية وقدراتها في تصدير النفط وإنتاجه، ووصولاً إلى تزايد متاعب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بعد المظاهرات المطالبة برحيله في عدة محافظات مصرية أخيرا، وموجة الاعتقالات الواسعة التي تلتها، وليس انتهاءً بمشكلات الدور الإماراتي في اليمن وليبيا وغيرهما، واحتمالات انحساره تدريجياً، وعودتها إلى "حجمها الطبيعي"، والتخلي عن دور "شرطي العالم العربي" أو "إسبرطة الصغيرة"، الذي برز في ظل الانقلاب على الثورات العربية، وسياسات الثنائي ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وولي عهد السعودية محمد بن سلمان.
يعزّز هذا كلّه إحجام ترامب وإدارته عن أية مواجهة موسّعة مع إيران، والاكتفاء بسياسة "بيع
 السلاح للحلفاء، من دون خوض مواجهاتٍ عسكرية مع الأعداء"، والاستعاضة عن ذلك بـ"رفع نبرة الخطاب ومستوى العقوبات ضد إيران"، وإرسال مائتي جندي أميركي إلى السعودية، مع احتمالٍ ضئيل بقيام واشنطن بردّ عسكري محدود، في مناطق نفوذ إيران في سورية أو العراق.
ولعل أبرز تداعيات واقعة استهداف "أرامكو"، أن الطرف الإيراني خرج بعدها رابحاً، في حين خسرت السعودية والإمارات، وأغلب دول المحور الأميركي، مزيداً من أوراق قوتها المحدودة أصلاً، ما قد يرغمهم على تقديم تنازلاتٍ جديدة لطهران، في حرب اليمن وغيرها من الملفات الإقليمية التي يُتوقع أن تشهد بعض الحلحلة قريباً، ومن مؤشّراتها ما ذكرته "وول ستريت جورنال"، أن الرياض وافقت على وقفٍ جزئي لإطلاق النار في اليمن، وذلك بعد إعلان الحوثيين، في 20 سبتمبر/أيلول الحالي، وقف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية.
أما اندفاع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتراكم أخطائه الاستراتيجية، هو ومستشاروه، خصوصاً بعد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، فقد يعطي نقطةَ تفوقٍ جديدة لسياسة إيران الإقليمية، في مواجهة الرياض والمحور الأميركي/ الإسرائيلي. وبعيداً عن التصريحات غير المتوازنة التي ميّزت الدبلوماسية السعودية منذ مطلع عام 2015، فإن أي ردّ سعودي على استهداف "أرامكو"، سيبقى محدوداً جداً، وربما لن يخرج عن إطار ثلاثة عناصر تتكرّر دائماً في سياسة الرياض تجاه طهران:
أولها محاولة "تدويل الأزمة"، باعتبارها استهدافاً لأمن الطاقة العالمي، وهو أمر ضعيف الاحتمال، بسبب تباين المواقف الدولية، على الرغم من التصعيد الخطابي الأميركي ضد طهران، والبيان البريطاني الفرنسي الألماني المشترك (24/9/2019) الذي حمّل إيران المسؤولية عن الهجوم على "أرامكو"، ومطالبتها طهران بالموافقة على التفاوض على برامجها النووية والصاروخية وقضايا الأمن الإقليمي.
ويبدو، في هذا الإطار، حرص الصين على اتخاذ موقفٍ متوازن نسبياً من أزمة استهداف "أرامكو"؛ إذ تلقّى العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز، اتصالاً هاتفياً من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الذي طالب بتحقيقٍ موضوعيٍ ونزيه، لكنه صرح أيضاً أن "الخلافات في منطقة الخليج ينبغي أن تُحل سلمياً، عن طريق الحوار"، ما يعني أن بكين ترفض إدانة السلوك الإيراني صراحةً، كما ترفض عملاً عسكرياً ضد طهران. كما سعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى توظيف الأزمة، عبر عرضه بيع منظومة صواريخ إس 300 إلى السعودية، وهذا يكشف أن موسكو تتطلع إلى زيادة نفوذها في الخليج، عبر بيع الأسلحة وعقد الشراكات الاقتصادية والتجارية.
ويتعلق العنصر الثاني في السلوك السعودي بـ"مناشدة" الأطراف الدولية والإقليمية الوقوف إلى
 جوار الرياض في محنتها، ومن ذلك محاولة جذب العراق صوبها، عبر دعوة رئيس وزرائه، عادل عبد المهدي، إلى زيارة السعودية، ولقائه أخيرا الملك سلمان وولي عهده. على الرغم من أن موقف العراق يبقى أقرب إلى "الحياد"، وبذل الجهود لمنع حدوث أية مواجهة إقليمية خشية انعكاساتها على وضعه الحرج، وهو ما تعكسه دعوة الرئيس العراقي، برهم صالح، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى منظومةٍ أمنية مشتركة في الشرق الأوسط، مع تكامل اقتصادي وتنسيق سياسي، لاستئصال الإرهاب وضمان الاستقرار.
وثالثا، مواصلة المسعى الأميركي/ السعودي للتضييق على إيران، مثلما اتضح في خطاب وزير الخارجية السعودي، إبراهيم العساف، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حينما اعتبر أن الهجمات على "أرامكو" "فضحت طبيعة النظام الإيراني للعالم أجمع الذي أصبح أمام نظامٍ مارق وإرهابي، يستمر في تهديد الأمن والسلم الدوليين، وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي".
وعبر تحليل سياقات أزمة استهداف أرامكو والأطراف المنخرطة فيها، ربما يمكن إبراز ثلاث نتائج أولية متداخلة:
أولا، ثمة تغيرٌ عميق في مقاربة واشنطن لأمن منطقة الخليج وحدود التزامها بها، وهذا يعود إلى أسباب هيكلية وآنية، في أميركا والعالم والخليج؛ إذ لم تعد واشنطن بحاجة كبيرة إلى النفط السعودي. وهي لا ترغب، على الأرجح، في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، خصوصاً مع تفاقم مشكلات الرئيس ترامب وظهور قصور/ فشل سياسته الخارجية التي تكاد تفتقد إلى أي إنجازٍ حقيقي، مقارنةً بسلفه باراك أوباما.
ثانيا، على الرغم من تزايد "الانكشاف الاستراتيجي السعودي"، وتفوق طهران إقليمياً على الرياض، فإن ما سيحدّد مصير المشروع الإقليمي لإيران هو البعد الدولي، أو كيفية إدارة علاقتها الصراعية المعقّدة مع أميركا وحليفها الإسرائيلي، وإمكانية توظيف الدعم الروسي الصيني لها، والقدرة على توسيع تحالفاتها الدولية والإقليمية وتنويعها. ولئن كانت طهران قادرةً على توظيف وكلاء إقليميين في مناطق الأزمات العربية من العراق إلى سورية إلى اليمن إلى لبنان وفلسطين، فإنه لا ضمانة لنجاحها على المدى الاستراتيجي، ما دامت تتبنى سياسات "معادية" لثورات الشعوب العربية، خصوصاً الثورة السورية.
ثالثا، ستستغرق عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط الجارية عدة سنوات أخرى، وقد تشهد انكفاءً لسياسات قوى الثورات المضادة، ومنها إيران بالطبع، مع احتمال ميلاد موجةٍ ناجحة من الثورات العربية، تدخل المنطقة برمتها في "مرحلة انتقالية ممتدّة"، يصعب التكهن بمآلاتها وحدودها.