الليرة التركية وانتخابات إسطنبول

25 يونيو 2019
الصورة
التنقيب عن النفط والغاز مستمر في البحر المتوسط (الأناضول)
+ الخط -


تعكس تحركات أسعار صرف العملة والأسهم والبورصات تطورات الوضع السياسي والاقتصادي داخل أي دولة وتعد انعكاسا لها، فإذا حدث مثلا قلق سياسي تصاحبه حالة من الغموض، فإن أسعار العملة المحلية والأسهم تتراجعان بشكل سريع.

هذا بالطبع يحدث في الدول التي تعرف حريات اقتصادية تسمح بأن يكون العرض والطلب هو المعيار الحقيقي لتحرك أسعار السلع والخدمات وليس التدخل الإداري من قبل الدولة.

أما في الدول النامية التي تسيطر فيها الحكومات على كل أو بعض المشهد الاقتصادي، فإن السلطات تتدخل بسرعة لمساندة البورصة وسعر العملة في حال تراجعهما على خلفية ظهور مخاطر سياسية طارئة وذلك عن طريق أدواتها المالية والاستثمارية، مثلا تقوم البنوك المملوكة للدولة بزيادة معدل ضخ السيولة الدولارية في الأسواق والبنوك، وهو ما يحبط المضاربات في سوق الصرف أو أي زيادات محتملة في سعر الدولار والعملات الرئيسية مقابل العملة المحلية.
ومن أبرز الأدوات أيضاً استخدام صناديق وبنوك الاستثمار التابعة للبنوك الحكومية أو التي تساهم بها مؤسسات رسمية في مساندة البورصة ودفعها للارتفاع بشكل غير حقيقي لا يعبر عن توجهات السوق ورغبات المستثمرين، وهذا ربما حدث في مصر في 17 يونيو/ حزيران، يوم وفاة الرئيس السابق محمد مرسي، أثناء محاكمته، حيث شهدت البورصة المصرية ارتفاعا على غير المتوقع رغم تنامي حالة الغضب الشعبي التي أعقبت الوفاة.

إلا أن هذا الدعم الحكومي لم يستمر بسبب تكلفته العالية على هذه المؤسسات وانتهاء الغرض منه، ولذا تراجع مؤشر الأسهم المصرية 1.1% اليوم الثلاثاء، مواصلا خسائره لليوم الخامس على التوالي.

وتكرر المشهد في البورصة السعودية عقب الكشف عن تورط السلطات في مقتل الصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، حيث تدخلت المؤسسات الحكومية لدعم السوق في الفترة اللاحقة للاغتيال، إلا أن الدعم لم يستمر، ولذا تراجعت مؤشرات البورصة بعد ذلك.

ولا تزال البورصة السعودية تشهد حالة تذبذب حتى الآن بسبب الخوف الذي سيطر على المستثمرين من اندلاع حرب في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة، وتعرض مرافق وشحنات نفطية وملاحية في السعودية والإمارات لهجمات تبنت جماعة الحوثي مسؤولية بعضها، إضافة إلى تبعات محاكمات الريتز كارلتون الشهيرة التي شهدت محاكمة العديد من الأمراء ورجال الأعمال بتهم التورط في قضايا فساد.
وحسب الأرقام، فإن البورصة السعودية تكبدت أكبر الخسائر خلال شهر مايو/أيار الماضي، بعد أن فقدت الأسهم نحو 48.7 مليار دولار من قيمتها، تلاها سوق دبي المالي بقيمة 23 مليار دولار، ثم أبو ظبي بنحو 7.3 مليارات دولار، وقطر 4.5 مليارات دولار والكويت 2.3 مليار دولار. وبذلك تكون البورصات الخليجية قد خسرت نحو 85.8 مليار دولار من قيمتها خلال تعاملات شهر مايو.

المشهد نفسه تكرر في تركيا خاصة في صيف العام 2018 وعقب فرض عقوبات أميركية على البلاد، إلا أن الملفت في المشهد الأخير هو صعود سعر الليرة مقابل الدولار بنسبة 1.35%، بعد انتهاء انتخابات الإعادة في إسطنبول، وإعلان فوز مرشح المعارضة، وذلك بشكل لم يتوقع بعض المراقبين للمشهد التركي. كذلك ارتفع مؤشر بورصة إسطنبول BIST بنسبة 1.81%، بعد إغلاقه قبل الانتخابات على انخفاض.

تفسير ذلك التحسن رغم خسارة مرشح الحزب الحاكم ربما يرجع إلى أن المستثمرين بدأوا يشعرون أن تركيا مقبلة على 4.5 سنوات تخلو من الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية أو المحلية، وبالتالي فإن هناك حالة مقبلة من الاستقرار السياسي الداخلي.

كما أن الحكومة ستركز خلال هذه السنوات على إنجاز المشروعات القومية الكبرى التي وعدت بها، ومنها قناة إسطنبول وباقي مراحل مطار إسطنبول الجديد، وتأسيس محطات طاقة نووية لأغراض إنتاج الطاقة، والتنقيب عن النفط والغاز في مياه البحر المتوسط، إضافة إلى حل المشاكل الاقتصادية الأخيرة التي تعاني منها البلاد خاصة تذبذب الليرة وزيادة التضخم ونسبة البطالة، ودفع عجلة الإصلاحات الهيكلية التي وعدت بها الحكومة.

لكن، هل تنجح الحكومة التركية في تجاوز هذه الأزمات الاقتصادية خاصة مع استمرار حالة التوتر في العلاقات السياسية بين واشنطن وأنقرة، أو بين أنقرة وبعض دول الاتحاد الأوروبي؟

المساهمون