اللصوص الوجهاء

22 اغسطس 2016
الصورة
ما حاجة الطغاة الذين يسرقون شعوبهم عقوداً ويرهبون العباد إلى أن يغتصبوا الأدب أيضاً، ويُسخروا سراً كتاباً (قابلين للمساومة والشراء) ليكتبوا لهم رواياتٍ أو كتباً في مجالات عديدة أو شعراً. ما حاجة طاغية، مثل صدام حسين، كي يُصدر روايةً، قيل إن روائياً شهيراً كتبها له. وما حاجة طاغية ينافس صدام حسين في ظلم شعبه، كمعمر القذافي، كي يكتب الكتاب الأخضر الذي يُعتقد أن أحداً كتبه له. ولطالما سمعنا عن مسؤول كبير في الدولة يُصدر كتباً أدبية، مُوهماً الناس أنه من كتبها. ولكن، ثمة طاقم من الكتاب المأجورين يؤلفون كتب هؤلاء الحكام والمسؤولين. ما حاجة حاكم يتحكّم بالبلاد والعباد وينهب الثروات ويجمع المليارات، ويُوزع اسمه على منشآتٍ عديدة، لكي يغتصب الأدب أيضاً، ويُصر أن يطرح نفسه روائياً أو شاعراً أو مؤلفاً لكتب في مجالات عديدة، يُحدّدها هو؟ هل ثمة عقدة نفسية لدى الطغاة لكي يُعطوا صورتهم بريق الإبداع الذي يحقّقه الأدب والفن؟ هل يُصدقون أنهم لن يُكشفوا ذات يوم؟ أو أن الشعب سوف يصدّق أنهم أصحاب موهبة أدبية؟ وأظن أنهم يعتمدون على خوف الناس منهم، وعدم الجهر بقناعاتهم ومعرفتهم أن ثمة كتاباً مأجورين كتبوا الأعمال الأدبية لهؤلاء.
يوضح الطب النفسي المُختص بتحليل شخصة الطاغية أن هذا، بعد أربع سنوات من استلامه الحكم، تصبح لديه حالة مرضية من تضخم الأنا، حتى أنه يعتبر نفسه هو الوطن. وكم طالعنا عن طغاةٍ، حكموا شعوبهم أكثر من أربعة عقود، كانوا يقولون في مناسباتٍ عديدة: نحن الوطن. ويبين علم النفس الخاص بشخصية الطغاة أن الحاكم لا ينبغي أن يبقى في الحُكم أكثر من أربع سنوات، وإلا تحوّل إلى مريض بجنون العظمة، وتشكلت لديه قناعة بأن البلاد التي يحكمها ملك له شعباً وأرضاً. ولكي يكتمل إحساسه بجنون العظمة والسلطة المطلقة، يحتاج للأدب والفن، يُسخرهما لتعزيز نفوذه وتلميع صورته، كما لو أنه يجمع المجد من أطرافه، فهو الحاكم المثقف الموهوب، كامل الصفات. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنهم يُخصصون جوائز أدبية دسمة يعطونها لبعض الكتاب، وكم كانت مهزلة المهازل حين قدّم الطاغية القذافي جائزة حقوق الإنسان لنلسون مانديلا، وكانت تعادل حوالي نصف مليون دولار. وفي ذلك يعتقد أنه سينجح في جعل الناس يُصدقون أنه عادل ويُقدر حقوق الإنسان.
ولطالما كانت الثقافة، في مواقف كثيرة، خادمة للسياسة، وكان كل حاكم يجمع حوله مُطبلين ومُزمّرين لفكره وحكمه المستبد. وقد تنطلي الخديعة على كثيرين. لكن، من المُحزن حقاً أن نشهد حالات من تمجيد الحكام والسياسيين الكبار المتحكمين بمفاصل الدولة وترويج إنتاجهم الأدبي وترجمته أيضاً. ولا أنسى يوم التقيت، مع مجموعة من الكتاب السوريين، بوفد أدبي من أهم كتاب بلغاريا، وكان أحد الكتاب السوريين يقوم بالترجمة. وحين سألت أحدهم، وهو شاعر بلغاري مشهور، عمّن من الكتاب العرب تُرجمت أعماله إلى البلغارية، ولاقت رواجاً، فقال لي إن شاعراً عربياً مشهوراً جداً تُرجمت كل أعماله إلى البلغارية، لكنه نسي اسمه، فحاولت أن أتحزر فقلت له: لعله محمود درويش؟ فقال: لا. فقلت: لعله أدونيس: فأجاب: لا. وصرت أذكر أسماء شعراء عرب وكل مرة يقول: لا. حتى انتفض مُتذكراً اسم الشاعر، وهو مصطفى طلاس (!). عندها أحسست بصدمة الذهول، وانتابتني مشاعر متضاربة من الغضب والخيبة والخزي. هل يُعقل أن يُترجم شعر مصطفى طلاس الذي أشك، كالملايين غيري، أنه كتبه، ما عدا ربما قصيدة في التغزل بملكة جمال العالم جورجينا رزق. أليس عاراً أن يُغيب شعر أعظم الشعراء العرب المعاصرين، ويترجم شعر الضابط ذي المنصب الرفيع، مصطفى طلاس، ويُقدم إلى الشعب البلغاري نموذجاً فريداً من الشعر العربي. وأخيراً، كم صرنا نسمع، بعد ثورة الاتصالات والإنترنت، عن سرقات أدبية مخزية ومخجلة لحكام سطوا على الإنتاج الأدبي لمبدعين ونسبوه إلى أنفسهم. وعلى الإعلام أن يُركز على هذه الظاهرة، وأن يفضح لصوص الأدب هؤلاء.

تعليق: