اللحظات الأصعب في حياتنا

اللحظات الأصعب في حياتنا

29 يوليو 2017
الصورة
لحظة صعبة (كريم صاحب/ فرانس برس)
+ الخط -
أن تسأل عن اللحظة الأصعب في حياة أحدهم، يعني أن تنبش قبراً وتفتح جروحاً تظنّ أنّها خُتِمت. أتكون لحظة واحدة أو لحظات؟ ربّما هي تلك التي يجعلها الدماغ في المقدّمة، لحظة طرح السؤال. ما هي اللحظة الأصعب في حياتك؟ أفٍّ. كلُّ هذه الصعوبة في بضع كلمات. ومهما كثُرت، تبقى أقلّ من وطأة الحدث.
صمتٌ قبل الإجابة. إنّه الرجوع إلى ذلك الألم قبل البوح به. موت أو فراق أو مرض أو خسارة. واللّحظات الأصعب هي المشاعر المرافقة للأحداث.

قبل نحو عام، أنزلت وآخرين قبر والدتها إلى باطن الأرض. هذه ليست الحقيقة. في ذلك اليوم، أرادت مُرافقتها إلى مكانها الجديد. "موت أمّي كان اللحظة الأصعب في حياتي". موتها حرمها أحلاماً كثيرة خصّتها بها. أمّها التي ستشتري معها ثوب زفافها، وتعانقها بشدّة يوم عرسها، وتدمع عيناها حين تُزفّ إلى عريسها، وتطهو لها، وتكون إلى جانبها يوم تلد أطفالها، وتساعدها في تربيتهم. "كل تلك الأحلام راحت معها"، تقول. وإن كان الموت حقيقة، إلّا أنها "كانت صغيرة، في الخمسين من عمرها. لا أذكر أنها مرضت أو قصدت طبيباً في حياتها. فقط ماتت". تضيف: "بل اللحظة الأصعب هي الاشتياق إلى شخص لم تعد رؤيته ممكنة".

بالنسبة إليها، يصعب الاعتياد على الفكرة، فتتخيّلها موجودة معها. لكن الخيال يبقى خيالاً.
بعد موت أمّها، لم يعد هناك لحظات صعبة. حتّى حين مرضت وأخبرها الطبيب أنّها قد لا تخرج حيّة من العملية، لم تخف. فكّرت فقط في أنّها قد تراها مرة أخرى.

الموت مرّة أُخرى. أحياناً، يبدو أنّ اللحظات الأصعب قريبة منّا، وإن ظنّنا أنّها صارت من الماضي. بمجرد طرح السؤال، يُستعاد الوجع، ويتحوّل إلى حاضر مُستعار، قبل أن يسترجعه الماضي بعد قليل. "حين ماتت عمّتي"، تقول لونا. "بل حين مرضت وصرت أفكّر كلّ يوم في موتها. بكيت على مدى شهرين. مذ كنتُ صغيرة، تُرعبني فكرة الموت. وحين عرفت أنها ستفارق الحياة، شعرت بأن الخوف يكبر في قلبي، وكأن الموت يلامسني. من سيلي عمتي؟ كنتُ قريبة منها إلى درجة كبيرة. وحين ماتت، رأيت تلك الصورة التي لطالما رافقتني في حياتي، وهي موت والدي. ربّما لأنه يعني لي الكثير. فجأة، أحسست بأن الموت هو الشيء الوحيد الذي لا أستطيع التحكم به".

فلنبتعد قليلاً عن الموت. تختلف اللحظات الأصعب من شخص إلى آخر، وإن كان الموت يبقى جامعاً بين كثيرين، إذ لا يمكن تعويض هذه الخسارة. لكن نديم، الذي لم يختبر موت قريب، كان انفصاله عن الفتاة التي أحبّ اللحظة الأصعب في حياته. "الأمر ببساطة كان حلماً كبيراً وحباً كبيراً، وقد انتهى فجأة من دون أسباب واضحة أو ربّما لأسباب تافهة". ورغم مرور سنوات على ما حدث، ما زال يؤلمه من حين إلى آخر، فقد خسر حلماً كان تحقّقه قريباً جداً. واليوم، لم يعد حلماً، بل إعلان موت.

وليلى التي انفصلت أخيراً عن زوجها، تصف هذه اللحظة بالأصعب. "شعرتُ بأنّني أقتل كائناً حيّاً، ولو كان مريضاً". تضيف أنّه من الصعب هدم الأحلام التي كبرت على مدى سنوات، والعودة إلى الأرض، لبناء أحلام أُخرى من جديد، لا يمكن أن تكون بمنأى عن رواسب الماضي". في تلك اللحظة التي وقّعت فيها على الورقة، تمنّت لو تتوقّف الأرض عن الدوران. "الهواجس في رأسي كانت مثل جيشين يتقاتلان. ماذا بعد العِشرة الطويلة وكل لحظاتنا معاً؟ ثمّة خراب. هذه حقاً كارثة، ولو أن الحياة تستمر، فهي دائماً كذلك".

"في كلّ مرة اضطررت فيها إلى اتخاذ قرار ما، كنت أشعر أنّها اللحظة الأصعب في الحياة. ومع مرور الوقت، لا تعود اللحظة الأصعب، في انتظار التالية". لم تستحضر كاتيا حدثاً كان الأصعب في حياتها. هي من الأشخاص الذين يؤمنون بقدرة الوقت على التخفيف من وطأة الأحداث أو اللحظات، وقد اعتادت على فكرة أن الحياة دائماً ما تخبّئ صعوبات. أمّا ليا، فتقول إنّ اللحظة الأصعب لم تأتِ بعد، رغم كلّ ما مرّت به في حياتها "الأصعب بالنسبة إليّ سيكون خسارة أمي. ولا أستطيع تخيّل كيف يمكن أن تكون حياتي من دونها". عودةٌ إلى الموت. لم تختبر ليا تجربة مماثلة بعد، لكنّها عرفت المرض، الذي ما زالت تعاني من تداعياته. "في معاناتي هذه، كانت والدتي إلى جانبي. لا حياة أو أمان من دونها".



"اللحظة الأصعب هي وداع مكان شعرتُ بالانتماء إليه ولن أتمكّن من رؤيته مجدّداً، أو وداع أجزاء مني في أشخاص لا يمكن أن يعودوا إليّ. وأصعب لحظة هي متابعة الحياة نفسها مع كل الخسارات من دون أي إحساس بوطأتها. اليوم، ما من شيء يمكن أن يجعلني أحزن أو يعطّلني عن القيام بمهامي، لكن في الوقت نفسه، ما من شيء يفرحني". وهناك المزيد: "أصعب لحظة هي الخضوع للمجتمع وكبت الحرية والرغبة والفكر والميول والمواقف الشخصية". وبعد، "يمكن أن تكون أصعب لحظة أمراً أنانياً، أي ما كان يجب أن أفعله ولم أفعله". هكذا يختصر ربيع اللحظات الأصعب، وربما هي لحظة تجرّ وراءها لحظات كثيرة. الموت والفراق يتركان ألماً كبيراً في النفس، وقد فعلا في حالة أيمن. خسرها وخسر والده. وهو موجود في كلاهما. يقول: "أؤمن بأنّ كل إنسان يلتقي بشخص واحد يجب أن يُكمل حياته معه. وهي كانت هذا الإنسان. من بعدها، يمكنني التعرف على كثيرات، وربما الزواج وإنجاب الأطفال، لكن حياتي معها هي الحقيقية. والمفارقة أنها ستكون مجرد خيال".

وتبقى لحظتها، التي تقلّص فيها سقف حلقها حتى لم يعد موجوداً، وذلك بعد إجرائها عملية جراحية. كلّ الأمل الذي كان قد منحها إياه الطبيب تبخّر في لحظة. تبع ذلك نزيف حاد. تخبر: "في المستشفى، عشت أصعب لحظات حياتي. وكلّما نزفت، شعرت بأن الموت يقترب مني. لكنّها المرة الأولى التي أعرف أنني أريد أن أعيش، وأنني متمسكة بالحياة". لحظة أخرى كانت خلال إجرائها الصورة الرباعية الأبعاد للتأكد من أن طفلها بخير. كلّ ما كانت تفكر فيه هو نجاته من احتمال التشوه الخلقي، الذي عانت بسببه منذ ولادتها. "الصورة جيّدة"... خلال دقائق، عرفت اللحظة الأجمل.