اللجنة الدستورية.. نقطة لصالح مَن؟

03 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تتبنّى الأمم المتحدة قناعة بأن المجتمع السوري مقسوم إلى ثلاثة أقسام متساوية. ومن المرجح أن هذا التصور نابع عن عملية اختصار مقصودة، هدفها تسهيل الحل بتقليص عناصر المعادلة، أو إدماج بعضها في بعض، ولو أدّى ذلك إلى طمس بعض معالمها. على هذه القناعة، تقرّرت ألوان اللجنة الدستورية "الثلاثية" التي بدأت اجتماعاتها للتو في جنيف: الثلث الأول يمثِّل النظام، من خلال رجالاته المعروفين، والثاني هو التمثيل المعارض في اللجنة، وتسميه المعارضة، أما الثالث فهو المجتمع المدني، وهذه تسمية تحتمل الالتباس، قد يدخل ضمنها مختصون في القانون، إلى جانب كل من يملك حساباً نشطاً على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن يحمل مسمياتٍ سياسية واضحة، ومن دون أن يتمتع بمزايا خاصة، إلا أن المجتمع الدولي قد زكّاه ليمثل ثلث المجتمع السوري ضمن خمسين عضواً آخرين. تشكيل هذه اللجنة، خصوصاً مجموعة المجتمع المدني، كان ميداناً لشد وجذب طويلين، وخاضت المعارضة والنظام معارك سياسية وإعلامية، حتى استقر الأمر على مجموعة أسماء ترجّح كفة النظام في غالبها، لكن يحلو للمجتمع الدولي اعتبارها محايدة، لذلك هي ستفاوض على بنود دستور سوري جديد في جنيف. 
بحسب النظام الداخلي للجنة الدستورية، فإنها ستختار لجنة مصغرة تعكس آراء اللجنة الأكبر، ثلاثة أثلاث يتكون كل منها من 15 عضواً ستبدأ اجتماعات مكثفة لكتابة دستور جديد، يمهد لانتخابات جديدة. وينص النظام الداخلي أيضاً على أن القرارات تتخذ بأغلبية 75% من مجمل الأصوات، يعني سيكون إقرار البنود أمام شرط موافقة ثلاثة أرباع اللجنة، وليس الثلثين فقط، ما يفرض قبول أفراد من جميع الكتل، حتى يتم تبنّي فقرة دستورية ما. القضية بسيطة بالنسبة لكتلة النظام، فهذه تتحرّك جماعياً. ومن المتوقع أن تصوت بنعم أو لا، بشكل إيقاعي منضبط ومنتظم، بما يتوافق مع سياسة معروفة فُرضت على السوريين منذ أوائل الستينيات. أما كتلة المعارضة فلن تكون إلا مخلصة لكلمة المعارضة بذاتها، ولن توافق على ما يوافق عليه النظام، خشية أن تخسر اسمها ورصيدها، ويمكن التنبؤ بأن قاعات جنيف ستكون سجالاً بين هاتين الكتلتين، وقد شهد اليوم الأول الذي افتتحت فيه الجلسات مثل تلك المواجهة. ومن المتوقع أن يستمر ذلك طوال فترة انعقاد هذه الجلسات. ومن حسن حظ أعضاء الوفود عدم وجود سقف زمني محدد، ما يعني أن شبح البطالة سيكون بعيداً عن الجميع.
تفيد خلفيات أفراد القسم الثالث الحائر خلفيات معظم أفراده بأنه أقرب إلى النظام، مع وجود حالات مختلفة. يصطف هذا الثلث بجانب المعسكرين المتناقضين، ولا مرجعية حقيقية لأفراده غير امتنانهم لمندوب الأمم المتحدة الذي اختارهم بناءً على ترشيحات من النظام والمعارضة. وقد افترض من رشحهم بأن هذه الكتلة يمكن أن تلعب دور منطقة عبور آمن بين مناطق النظام ومناطق المعارضة، وما يحملونه من فكر وسطي قد يساهم في تليين وجهات النظر المتشدّدة والمتصلبة، أو يفكك استراتيجيات المماطلة التي يتحلى بها وفد النظام. هذه قراءة تفترض أن الحوارات تجري في غرف مغلقة بعيداً عن التأثيرات الخارجية، لكن الواقع أن الجلسة الأولى قد حضرها وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا، ولدى هذه الدول قوات عاملة فوق الأراضي السورية، بنسب ومساهمات متفاوتة. وتقول الدول الثلاث إنها تعمل من أجل السلام في سورية. وفي الوقت الذي كانت فيه الجلسة منعقدة، كان رئيس النظام يقول، لوسائل إعلامه الخاصة، إن "الدولة السورية" ستوافق على ما ينتج عن اللجنة الدستورية بما يتوافق مع المصلحة الوطنية، والمصلحة الوطنية عبارة يمكن تشكيلها بقوالب كثيرة، وهي في يد الثلث الممثل له في اللجنة، ما يعني مزيدا من المط والتطويل، وهو ما تسمح به قواعد اللجنة الدستورية التي لا سقف زمنيا لها.