اللبنانيون والسباق إلى روسيا

11 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
من المأثورات السياسية اللبنانية ارتباط وصول المرشح الرئاسي، سليمان فرنجية، إلى سدة الرئاسة الأولى، في العام 1970، بتأثير سوفييتي واضح، استمد تعبيره بتصويت كمال جنبلاط لصالح فرنجية، الأمر الذي أسقط مرحلة النهج الشهابي الذي ارتسمت معالمه في 1958، حين وصل اللواء فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية بدعم مصري، غير مشكوك بمفاعيله وتفاصيله.
وكانت معادلة الحكم التي شرع قواعدها اللواء فؤاد شهاب، تنهض على ثنائيةٍ قوامها خفض منسوب التأثيرات الناصرية في الواقع السياسي اللبناني، في مقابل عدم خروج السياسة الخارجية اللبنانية عن الإجماع العربي، والمقصود بالإجماع، خلال تلك الفترة، التزام لبنان بالعناوين العامة لسياسة الرئيس جمال عبدالناصر.
وإذ انقضت الولاية الرئاسية للواء فؤاد شهاب في العام 1964، بتوافقٍ لم يكتنفه عراك أو خصام مع الرئيس عبدالناصر، فإن خليفة شهاب، الرئيس شارل حلو، المفترض أنه امتداد للنهح الشهابي، أوقع نفسه في حيرة الولاء بين الشرق والغرب في أواخر عهده، وتمثل ذلك بإلقاء الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض على جواسيس سوفييت، سعوا إلى اختطاف طائرة مقاتلة لبنانية من نوع ميراج، فرنسية الصنع، وهو الفعل الذي أدرجه الكرملين آنذاك في سياق عدائي 
مزدوج الرأس، أوله توجيه صفعة للاستخبارات السوفياتية، وثانيه إقدام السلطات اللبنانية على تقديم بطاقة اعتماد كثيفة الدلالة نحو الغرب، عنوانها تخلي بيروت عن قاعدة "منزلة بين المنزلتين" التي انتهجها سابقا العهد الشهابي.
وعلى ما يروي باسم الجسر، كاتب سيرة الرئيس فؤاد شهاب، وأحد أهم المقرّبين منه، أن رئيس مجلس النواب اللبناني الأسبق، صبري حمادة، سعى إلى التنسيق مع كمال جنبلاط، زعيم اليساريين اللبنانيين في تلك الفترة، لإيصال المرشح الشهابي، إلياس سركيس، بدل سليمان فرنجية، إلى رئاسة الجمهورية، فواجهه جنبلاط بقولٍ ذهب مثلا، حين أجابه: "أنا مقتنع أكثر منك بالمرشح الشهابي، ولكن السفير السوفييتي غير مقتنع".
آنذاك، استقرت موسكو على قناعةٍ مفادها أن "حليفا رئاسيا لبنانيا" بات مضمونا، إلا أن كاريكاتير في صحيفة الحياة نشر في أغسطس/ آب 1970، يظهر فيه الرئيس فرنجية مع السفير السوفييتي، سرفار عظيموف، في رحلة صيدٍ طلب خلالها عظيموف من فرنجية أن يستخدم يده اليسرى بإطلاق النار على الطرائد، فرد فرنجية عليه: " من يغيّر عادته تقل سعادته". وأوجز الرسم، كما جرى تفسيره وتأويله حينذاك، سقوط التعويل السوفييتي على انسياق الرئيس فرنجية إلى المحور الشرقي.
عموما، ابتعد لبنان، تقليديا، عن التقارب مع موسكو، لأسباب أيديولوجية في المقام الأول، وبراغماتية موغلة في سياسة الالتحاق بالغرب في المقام الثاني. وقد يتموضع، فوق هذين المقامين، ما يمكن اعتباره "إخلاصا روحيا" لبنانيا للغرب الذي رعى إنشاء لبنان الكبير في العام 1920، ومن دون إدخال تعديلات عليه، على الرغم من أن اللبنانيين، كتيارات سياسية وطائفية، لم يجتمعوا على خطاب موحد حيال بلورة سياسة خارجية جامعة. وتختلف هذه المسألة، بطبيعة الحال، عن كيفية صناعة القرار الرسمي الذي عرفه لبنان منذ استقلاله.
في المرحلة الحالية، ترتسم معالم سياسة خارجية لبنانية، تجعل روسيا دائرة أساسية من بين 
دوائر عدة، يتم العمل على تصنيعها وتظهيرها، ومن ضمنها الدائرة العربية، وتعقبها الدائرة الغربية. ومع ملاحظة حضور الدائرتين، الإيرانية والتركية، وبحضور هذه الدوائر الثلاث المستجدّة (روسيا ـ تركيا ـ إيران)، يكون لبنان أمام انقلاب فعلي في سياسته الخارجية، خصوصا إذا ما جرى التدقيق في كثافة الحضور الروسي المتدرج في المشاهد اللبنانية كافة، ابتداء من السياسة، ومرورا بالاقتصاد، ووصولا إلى الأمن.
في الجانب السياسي، تبدو روسيا طرفا دوليا وحيدا، يجمع الأطراف السياسية اللبنانية تحت ظلال الكرملين، فالقوى السياسية ـ الطائفية الكبرى في لبنان، مثل التيار الوطني الحر، الذي يقوده الوزير جبران باسيل، نيابة عن الرئيس ميشال عون، أو تيار المستقبل، أو حزب الله، ترتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا. وإذا ما أضيفت إلى هذا الثلاثي الفاعل قوى أخرى ذات فاعلية ملحوظة، على غرار حركة أمل، أو الحزب التقدمي الاشتراكي، وتيار المردة، وأحزاب يسارية متنوعة. يمكن القول، حينذاك، إن الأغلبية الساحقة من القوى ذات التمثيل الوازن والثقيل تبدو مستقرةً على ضرورة التفاعل الإيجابي مع روسيا، وهذه سابقة لم يعرفها لبنان في تاريخه.
وفي الجانب الاقتصادي، وتلك هي "القوى الناعمة" التي تعتمدها روسيا في سياستها اللبنانية، لأجل إيجاد شبكة مصالح شديدة التماسك مع الجماعات اللبنانية، فيمكن ملاحظتها من خلال التالي: مشاركة روسيا طرفا ثالثا في "كونسورتيوم" الغاز والنفط لاستخراج الطاقة من الشواطئ اللبنانية، إلى جانب فرنسا وإيطاليا. تلزيم شركة روسنفط الروسية إعادة تأهيل مصفاة مدينة طرابلس الشمالية، لاستقبال النفط العراقي وتخزينه، بحيث يمتد العمر الزمني للتلزيم المذكور إلى عشرين سنة. ويكمن البعد الإستراتيجي لهذا الحضور الروسي في قطاع الطاقة اللبناني في تموقع الروس على الحدود اللبنانية جنوبا، كما هي الحال الأولى مع الثلاثي الروسي ـ الفرنسي ـ الإيطالي، وفي الحضور الروسي منفردا في الشمال، كما هو الأمر مع مصفاة طرابلس. وينطوي ذلك كله على أسئلة كبرى تدور في فلك إمساك روسيا بحدود لبنان البحرية، وهي الممسكة عموما بالقسم الأكبر من حدوده البرية مع سورية، ويؤدّي هذا إلى السؤال عن احتمال إشراف روسيا على ترسيم الحدود البرمائية مع فلسطين المحتلة، لتسهيل استخراج الطاقة من الحقول اللبنانية، وبالتالي رسم الحدود أيضا مع سورية.
في موسكو حاليا "لوبٍ لبناني" ناشط إلى حد كبير، من ضمنه جورج شعبان، مستشار رئيس الحكومة سعد الحريري للشؤون الروسية، وهو على علاقة وثيقة بالكرملين الذي فتح أبوابه ثلاث مرات للحريري، وكذلك النائب السابق أمل أبو زيد مستشار الوزير جبران باسيل للشؤون الروسية، والذي عمل على تمهيد الطريق لزيارة الرئيس ميشال عون المرتقبة إلى موسكو في شهر مارس/ آذار الحالي.
وبما يرتبط بالجانب العسكري ـ الأمني، يبدو جدول أعمال زيارة الرئيس عون إلى موسكو حافلا بـ "الرغبات" الروسية التي تهدف إلى مد الجسور مع المؤسسة العسكرية اللبنانية، علما أن صفقة تسليح روسية لهذه المؤسسة كادت تتحوّل أمرا واقعا في العام 2008. وفي الوقت عينه، أقدمت موسكو على تزويد قوى الأمن الداخلي اللبناني بملايين الطلقات البندقية في العام 
2018، بعدما جرى تسليمها إلى الجيش اللبناني أولا.
وبصورة عامة، يمكن القول بوجود شبه إجماع لبناني على ضرورة تطوير العلاقات المختلفة مع روسيا، ما يُعد سابقة إجماع لبنانية، إلا ما يفترض النظر إليه أيضا أن هذا الإجماع مردّه إلى عوامل عدة: خلاصتها: الحضور الروسي الإستراتيجي والطويل الأمد في سورية، ما يفرض على اللبنانيين التعامل مع روسيا بوصفها "جارة " على حدودهم. الارتباك الأميركي حيال تعقيدات الشرق الأوسط، وعدم وضوح الرؤى الأميركية تجاه مجمل الأزمات الإقليمية، ما سهّل العودة الروسية إلى الإقليم، واستطرادا اندفاع دول الإقليم إلى ترتيب علاقتها مع روسيا. قدرة روسيا على جمع "الأضداد" تحت عباءتها، إذ تجتمع تحت هذء العباءة تركيا وسورية، إسرائيل وإيران، ولا تختلف "الأضداد" اللبنانية عن غيرها. الجديد والمستجد لدى الأطراف السياسية اللبنانية موقف المسيحيين اللبنانيين من روسيا، وهم المعروفون تاريخيا بعلاقتهم الثقافية والسياسية مع الغرب. وفي ظل صمت الدول الغربية عن تقلص الوجود المسيحي في الشرق، أو تهجيرهم في معنى آخر، كما جرى في العراق، وكاد يجري في سورية، ترتبط عوامل التقارب المسيحي اللبناني مع روسيا بالبحث عن مظلة حمايةٍ لا تتوفر غربيا.
يبقى، أخيرا، الافتراض بدور روسي واسع في جنوبي لبنان، في حال اضطراب الأوضاع العسكرية، واندفاعها نحو المواجهة، ففي هذه الحال، لا يظهر في ميدان الوساطة أو الضغط سوى أصابع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، التي يمكن أن ترسم خطا أحمر لمنع وقوع الحرب، أو لاحتواء آثارها، أو لجعلها معركةً لا ترقى إلى مصاف الحروب.
921D5B38-CE51-4A73-AFBF-A9A3FB8A54E6
توفيق شومان