اللاجئون في أوروبا... كورونا يفاقم الضغوط والمعاناة

10 يوليو 2020
الصورة
ضد سياسة الهجرة الأوروبية في ألمانيا (جون ماكدوغال/فرانس برس)

فاقمت أزمة كورونا العالمية معاناة الوافدين الجدد من طالبي اللجوء إلى ألمانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي، بعدما بدأ عدد منهم قبل الجائحة الأخيرة يتلمّس بصيص أمل في نهاية النفق المظلم. وها هم اليوم يواجهون من جديد صعوبات في مخيّمات اللاجئين أو عدم قبول طلباتهم للجوء أو لمّ شمل أسرهم أو الحصول على فرص عمل. أمّا آخرون، فما زالوا بالآلاف يشقّون عباب البحر، في مغامرة لا تُحسب عقباها، في حين أنّ تفشّي الفيروس الجديد يهدّد فرصهم وآمالهم بالوصول إلى الفردوس الأوروبي.
في عدد من الولايات الألمانية، وُضعت منشآت بأكملها تضمّ مئات اللاجئين وطالبي اللجوء في الحجر الصحي، بعدما أصيب مقيمون فيها بمرض كوفيد - 19 الذي يتسبب فيه فيروس كورونا الجديد، من بينها مركز لجوء في مدينة زانكت آوغستين الواقعة في ولاية شمال الراين - فستفاليا (غرب)، حيث أصيب أكثر من 140 شخصاً بعدوى كورونا. أمّا في مدينة كاسل الواقعة شمالي ولاية هسن (وسط) فأصيب في أحد المراكز 20 شخصاً وعُزل 60 آخرون في شمال ولاية هسن. كذلك وُضع مخيّم للاجئين في شمال هسن والذي يأهله 119 شخصاً في الحجر، كتدبير احترازي بعدما أصيب اثنان من هؤلاء بالفيروس، بحسب ما نقلت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية. وفي هذا الإطار، ذكرت شبكة "إس في آر" أنّ باحثين توصّلوا إلى استنتاج بأنّ أماكن سكن اللاجئين قد تصير نقاطاً ساخنة لعدوى كورونا في ألمانيا، بسبب الاكتظاظ فيها والاستخدام المشترك لأدوات كثيرة وصعوبة الامتثال لقواعد التباعد الجسدي والنظافة.

إزاء هذا الواقع، طالب حزب الخضر الألماني السلطات بإجراء فحوص على نطاق واسع في أماكن سكن اللاجئين، لا سيّما لكبار السنّ والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، في حين انتقدت عضو البرلمان عن حزب الخضر بيريفان إيماز الوضع في المخيّمات، لافتة إلى أنّ مئات من اللاجئين يعيشون من دون غرف فردية ومن دون مطابخ منفصلة ولا مراحيض. وأكدت إيماز في حديث إلى شبكة "إس في آر" أنّ المشكلة قائمة في كلّ أنحاء البلاد، فاللاجئون يتكدّسون بالمئات في أماكن ضيّقة.
وكان معهد "روبرت كوخ" الألماني قد رفع توصيات بشأن الوقاية من فيروس كورونا الجديد وإدارتها في أماكن الإقامة المشتركة، أظهرت مدى ارتفاع متطلبات هذه المرافق وتضمّنت معلومات شاملة حول كيفية دراية كلّ شخص في تلك الأماكن بمسارات انتقال الفيروس وتبعات المرض المحتمل، عدا عن ضرورة التعرّف إلى المرضى المعرّضين للخطر في هذه المرافق في وقت مبكر وفصلهم عن الآخرين بعد تجهيز وحدات سكنية خاصة كإجراء وقائي مع توفير الرعاية الطبية الخاصة بالإضافة إلى تحديد الأشخاص الذين يحقّ لهم التواصل مع مرضى كورونا. وقد علّقت شبكة "إيه آر دي" الألمانية على الموضوع، مشيرة إلى أنّه من غير الواضح إذا كانت الولايات الفدرالية ستلتزم بتلك التوصيات عملياً.

لاجئة من أفغانستان وكورونا في ألمانيا (جون ماكدوغال/ فرانس برس)
من القلّة التي ما زالت تحتفظ بعملها وسط أزمة كورونا (جون ماكدوغال/ فرانس برس)

ونقلت شبكة "إيه آر دي" عن المتحدثة حول ملف اللاجئين في حزب الخضر في ولاية شمال الراين - فستفاليا أنّها لم تحصل من حكومة الولاية على إجابة على سؤال حول عدد الأشخاص المعرّضين للخطر في تلك المرافق لأنّ الأرقام ببساطة لم تُسجَّل بطريقة منهجية بعد. وقد بيّنت دراسة أُعدّت في جامعة "بيليفيلد" الألمانية أنّ الخطر الذي يتعرّض له من هم في سكن اللاجئين مرتفع جداً وشبيه بما يمكن أن تكون عليه الحال على متن السفن السياحية.

الخطر الذي يتعرّض له من هم في سكن اللاجئين وسط الجائحة مرتفع جداً

 


وهنا لا بدّ من الإشارة إلى التوصية الصادرة عن الأمم المتحدة في ما يخصّ السكن اللامركزي، والتي تؤكّد وفق ما بيّنت البرلمانية في البوندستاغ عن حزب اليسار أولا يلبكه أنّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبسبب المتطلبات العالية أوصت بإيواء اللاجئين على المستوى اللامركزي قدر الإمكان لتجنّب المخاطر التي يشكّلها فيروس كورونا. ولفتت إلى أنّ ظروف السكن التي توفّرها الدولة تمثّل مخاطر غير مقبولة للاجئين. وهذا الأمر أكّده مجلس ولاية تورينغن (وسط) للاجئين، إذ رأى أنّه من الصعب تنفيذ تدابير حماية من العدوى خصوصاً في مرافق الاستقبال الأولية والسكن الجماعي، علماً أنّ هذا الوضع سيكون محور نقاش بين وزراء داخلية الولايات الألمانية. يُذكر أنّ السلطات المعنيّة لم تقدّم جردة بعدد المصابين بفيروس كورونا في مراكز اللجوء.

تدفق المهاجرين مستمر

وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد أعلنت أخيراً أنّ أعداد المهاجرين طالبي اللجوء انخفضت في الفترة الأخيرة بسبب جائحة كورونا، إذ لا يصل إلى ألمانيا إلا نحو 100 طالب لجوء يومياً. وصرّح وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر بعد اجتماع لمجلس الوزراء بأنّ عدد طالبي اللجوء عند المعابر الحدودية تراجع بشكل كبير بسبب الإغلاق والتدابيرالمتعلقة بتفشّي كورونا بالتنسيق مع الدول الأوروبية الحدودية. وأشار إلى أنّ عدداً قليلاً فقط من الأشخاص الذين يلتمسون الحماية تمكّنوا من الوصول إلى ألمانيا في ظلّ تفشّي كورونا، في خلال الشهرَين الماضيَين. لكنّ الفيروس لم يوقف عدّاد تدفّق المهاجرين على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وبحسب السلطات الإيطالية، فإنّ أعداد الوافدين منهم تضاعفت ثلاث مرّات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وثمّة طرقات جديدة تظهر، وقد تأثّرت بذلك مناطق مثل جزيرة لامبيدوزا والساحل الجنوبي لمدينة صقلية خصوصاً. ونقلت شبكة "إيه آر دي" عن جهات رسمية أنّ "المهاجرين بمعظمهم يصلون إلى إيطاليا من تونس، وليس من ليبيا كما في المرحلة الماضية، والسبب أنّ المقاتلين في ليبيا منشغلون في الحرب الأهلية وقد تراجع تهريب البشر لديهم. واليوم تُنظَّم عمليات التهريب انطلاقاً من تونس بواسطة عصابات تمكّنت من نقل آلاف الأشخاص إلى أوروبا، مع الإشارة إلى أنّ أفراداً من تلك العصابات كانوا يعملون في السابق كصيّادين ويجوبون البحر من صفاقس (جنوب) أو المنستير (شمال شرق) في تونس إلى صقلية أو لامبيدوزا الإيطاليتَين.

ضربت أزمة كورونا سوق العمل للاجئين المقيمين وفقد كثر وظائفهم

 

 

وهؤلاء تمكّنوا أخيراً من توجيه القوارب الخاصة بهم ولمرّات عدّة في خلال الأسابيع القليلة الماضية مباشرة إلى ساحل صقلية وتركوا المهاجرين على الشواطىء النائية هناك، من بينهم مواطنون من أفريقيا جنوب الصحراء يسددون نحو ألفَي يورو مقابل هذه الرحلات. أمّا الأشخاص المنطلقون من تونس أو مصر فيسددون نحو ألف يورو. وأبرزت شبكة "إيه آر دي" في تقريرها أنّ ثمّة صعوبة بمراقبة هؤلاء في البحر الأبيض المتوسط من قبل خفر السواحل أو شرطة الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، إذ إنّهم ينتقلون في سفن الصيد وليس في قوارب مطاطية.

كمامات للمهاجرين الذين بلغوا الساحل الإسباني (خيسوس ميريدا/ Getty)
كمامات للمهاجرين الذين بلغوا الساحل الإسباني (خيسوس ميريدا/ Getty)

ونقلت مجموعة "فونكه" الإعلامية الألمانية عن وكالة فرونتكس أنّ 4300 عبور غير قانوني عبر طرق الهجرة الرئيسية إلى أوروبا سُجّلت في خلال مايو/ أيار الماضي، وهو ما يعني نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع في إبريل/ نيسان الماضي. وفي المجموع، سجّلت الوكالة وصول 31 ألفاً و600 مهاجر منذ بداية عام 2020 وحتى مايو/ أيار الماضي، بنسبة ستّة في المائة أقلّ ممّا سُجّل في عام 2019. يُذكر أنّ عدداً من سفن الإنقاذ عاودت نشاطها أخيراً، ففي الأسبوع الأوّل من شهر يونيو/ حزيران الماضي، عاودت السفينة التابعة لمنظمة "سي ووتش" الإبحار بعد ثلاثة أشهر من التوقّف عن أداء مهامها في عمليات الإغاثة شمالي السواحل الليبية.

فرص العمل ولمّ الشمل

من جهة أخرى، ضربت أزمة كورونا سوق العمل للاجئين المقيمين، وفقد كثيرون منهم وظائفهم في خلال الشهرَين الماضيَين. هذا ما بيّنه معهد سوق العمل والبحوث المهنية الألماني الذي أفاد بارتفع عدد الأجانب العاطلين من العمل في شهرَي مارس/ آذار وإبريل/ نيسان أربع مرّات. والسوريون بحسب صحيفة "دي تسايت" الألمانية تأثّروا أكثر من غيرهم من المهاجرين البولنديين والرومانيين، وقد صرّح خبير الهجرة هربرت بروكر للصحيفة بأنّه قلق جداً بشأن اللاجئين، من جرّاء الأزمة. أضاف بروكر أنّه كان يتوقّع أن يعمل نصف اللاجئين الذين وصلوا إلى البلاد في عام 2015، لكنّ هذا الهدف بحسب ما يبدو لن يتحقق. وأوضح بروكر أنّ تأثّر اللاجئين بالبطالة أكثر من غيرهم يعود إلى أنّ أعمالهم يدوية في المطاعم والحانات ومجال التنظيف والخدمات اللوجستية، بالتالي لا يمكن تشغيلهم من المنزل.

وبخصوص لمّ شمل أسر اللاجئين، فقد منعت أزمة كورونا الوصول إلى الحدّ الأقصى المحدّد بنحو ألف شخص لأولئك الذين يتمتّعون بحماية ثانوية، أي اللاجئين المعرّضين لخطر بداعي المرض أو التعذيب أو الاضطهاد. وانخفض عدد التأشيرات الممنوحة في عام 2020، وفق بيان صادر عن وزارة الداخلية الاتحادية في ردّ على سؤال تقدّمت به البرلمانية عن حزب اليسار أولا يلبكه، كشف أنّ 1925 تأشيرة فقط أُصدرت لمصلحة المستفيدين الفرعيين حتى نهاية إبريل/ نيسان الماضي، من بينها 782 تأشيرة في فبراير/ شباط الماضي و480 أخرى في مارس/ آذار الماضي وأربع تأشيرات في إبريل/ نيسان الماضي، وفق ما نقلت "دي تسايت" أخيراً. يُذكر أنّه في عام 2019 الماضي، أُصدرت 11 ألفاً و129 تأشيرة لمّ شمل أقارب وزوجات وأطفال.
كذلك، أوقفت ألمانيا برنامج إعادة التوطين الذي يُجلب من خلاله أشخاص يعانون حالات خاصة من مخيّمات اللجوء في بلدان ثالثة، من بينها دول مجاورة لسورية. لكنّ وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر أكّد أنّ الالتزامات التي تعهّدت بها ألمانيا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ما زالت قائمة، وقد وعدت الحكومة الفدرالية باستقبال 5500 لاجىء هذا العام كجزء من هذا البرنامج.