الكويت: عيادات نفسية للمتضررين من عزل كورونا

الكويت: عيادات نفسية للمتضررين من عزل كورونا

19 يوليو 2020
الصورة
الأزمة الحالية تستوجب أكثر من تحرّي الإصابة (ياسر الزيات/ فرانس برس)
+ الخط -

 

لا تطاول جائحة كورونا الصحة البدنية فحسب إنّما كذلك الصحة النفسية. فالتدابير المفروضة خلّفت آثاراً سلبية في دواخل الناس. ويأتى الأمر أشدّ سوءاً بين الذين يعيشون في بيئات غير بيئاتهم الأصلية، كما هي حال الوافدين في الكويت.

فرضت الكويت عزلاً كاملاً على عدد من المناطق التي انتشر فيها فيروس كورونا الجديد، وهي جليب الشيوخ والفروانية والمهبولة وخيطان وحولي وميدان حولي التي تُعَدّ مناطق خاصة بالوافدين، علماً أنّ عدداً من هؤلاء يعيش في ظروف معيشية صعبة نتيجة الاكتظاظ في داخل مساكنهم الضيّقة، الأمر الذي جعل تلك المساكن بؤرة للفيروس في البلاد.

وتسبّب العزل المفروض على منطقتَي جليب الشيوخ والمهبولة تحديداً، والذي امتدّ لثلاثة أشهر، في اضطرابات نفسية وتصاعد معدّلات القلق، بالإضافة إلى حالات انتحار عدّة نتيجة الصعوبات المالية والنفسية التي عانوها. وقد قدّرت الصحف الكويتية عدد الوافدين الذين أقدموا على الانتحار بأكثر من 25، إلى جانب أكثر من 60 محاولة انتحار فاشلة معظمها بين الهنود. على سبيل المثال، وضع عامل هندي حداً لحياته عندما شنق نفسه بشجرة في حديقة عامة في منطقة خيطان، بعدما تسبّب العزل الكلي المفروض على المنطقة في أزمة نفسيّة له فيما تسبّب تسريح آلاف العمّال نتيجة توقّف الأعمال التجارية بأزمة معيشية. أمّا عامل آخر، فقد ألقى بنفسه من سطح أعلى المباني المخصّصة للعمّال الوافدين في منطقة المهبولة، فسقط ميتاً وسط صدمة بين سكان المبنى.

بالتالي، قرّرت وزارة الصحة الكويتية إنشاء عيادات نفسية في المستشفيات الميدانية في منطقتَي جليب الشيوخ والمهبولة، لاستقبال العمّال الوافدين وعلاجهم نفسياً بعد ملاحظة الآثار السلبية للعزل الكلي الطويل على نفسيّاتهم ونزوع كثيرين منهم إلى الانتحار مع إصابتهم بأمراض نفسية. ويستطيع الوافدون، باختلاف جنسياتهم وأعمارهم، مراجعة العيادات النفسية من دون مواعيد مسبقة، شريطة تسجيل أسمائهم.

يقول الدكتور سعود العازمي الذي يعمل في المستشفيات الميدانية في المناطق المعزولة لـ"العربي الجديد" إنّه "منذ اليوم الأوّل لفتح العيادات النفسية، لاحظنا ارتفاعاً في عدد المراجعين الذين يشكون من الاكتئاب والخوف فيما تراودهم بعضهم أفكار انتحارية نتيجة طردهم من وظائفهم وعدم توفّر المال الذي يرسلونه عادة لعائلاتهم، فضلاً عن مطالبة بعض ملاك العقارات ببدلات الإيجار المستحقة عليهم منذ شهور، مع العلم أنّ هؤلاء غير قادرين على سدادها". يضيف العازمي أنّ "العمّال الذين قصدوا العيادات في البداية، أخبروا آخرين بجدوى الاستشارات النفسية التي حصلوا عليها، الأمر الذي جعل جداول العيادات ممتلئة بالمراجعين".

 

 

من جهته، يقول أحد العمّال الهنود المقيمين في منطقة المهبولة لـ"العربي الجديد": "أنا عامل بناء وفقدت وظيفتي نتيجة قرار الشركة طردنا من العمل وعدم دفع رواتبنا بسبب تقليل المصاريف، وقد مررت في أيام صعبة اضطررت فيها إلى تسوّل وجبات الطعام"، مؤكداً أنّ "معاناة كثيرين منّا هي التي أدّت إلى انتحار بعضنا".

ولأنّ المعاناة النفسية لا تقتصر على العمّال الوافدين، فإنّ مراجعة العيادات النفسية التي خصصتها وزارة الصحة لسكان المناطق المعزولة متاحة كذلك لأفراد الأسر الوافدة الذين يعيشون في هذه المناطق. ويقول آدم حسين وهو أميركي من أصول عربية يعيش مع عائلته في منطقة المهبولة لـ"العربي الجديد"، إنّه عانى "اضطرابات نفسية وقلقا متواصلا طوال أيام العزل، ما اضطرّني إلى التوجّه إلى تلك العيادات". يضيف حسين أنّ "العزل الكلي أثّر على جميع سكان المناطق، الأغنياء منهم والفقراء، وعلى الرغم من أنّني من أسرة ميسورة الحال فإنّ العيش في ظروف تشبه الحياة في السجن أثّر كثيراً عليّ". ويشير إلى أنّه حصل على "استشارة نفسية من العيادة التي قصدتها وعلى أدوية مهدئة للقلق". ويقرّ حسين أنّ "عائلتي بدأت تتقبّل مسألة مراجعة طبيب نفسي بعد ما شهدوه من آثار تدهور صحتي النفسية وصحة كثيرين من سكان منطقتنا. فهي كانت ظاهرة للعيان ومن الصعب إخفاؤها".

ولا يستطيع الوافدون في الكويت، كذلك الأمر بالنسبة إلى المواطنين بمعظمهم، مراجعة العيادات النفسية الخاصة التي يتخطّى بدل المعاينة فيها، لمدّة ساعة واحدة، 60 ديناراً كويتياً (نحو 200 دولار أميركي). لذلك فإنّ كثيرين يحجمون عن الاستشارة النفسية، الأمر الذي يتسبّب في أضرار كبيرة لهم على المدى البعيد.

ويوضح الباحث الاجتماعي والنفسي في جامعة الكويت خليل خالد لـ"العربي الجديد" إنّ "الآثار النفسية المترتّبة على فقدان جزء كبير من العاملين وظائفهم بالإضافة إلى العزل المناطقي الذي تعرّضوا له طوال شهور والقلق الناتج عن الأخبار السلبية التي تنتشر حول فيروس كورونا الجديد، تشبه الآثار النفسية التي قد تنتج في حال تعرّض البلد لحرب"، مضيفاً أنّ "الانتحار نتيجة من نتائج هذا الوضع". يضيف خالد أنّ "العيادات النفسية المجانية لا تكفي، بل يجب وضع برنامج نفسي شامل لإصلاح ما حدث، خصوصاً في المناطق التي تعرّضت لعزل كلي وفقد سكانها وظائفهم".

 

 

أمّا الناشطة الإنسانية والإعلامية الكويتية دلع المفتي فقد طالبت باتخاذ إجراءات أكثر جدية وإنسانية لمعالجة أسباب انتحار العمالة الوافدة بسبب الآثار المترتبة على أزمة كورونا، في حين لفتت الناشطة شيخة العلي لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "المواطنين الذين لم تنقطع رواتبهم ويعيشون في بلدانهم وبين أهلهم تأثّروا نفسياً بسبب هذه الأزمة، وبطبيعة الحال فإنّ تأثّر العمّال الوافدين الفقراء في داخل المناطق المعزولة كان أكثر شدّة". وطالبت العلي "وزارة الصحة بتعزيز التوعية النفسية بالتوازي مع التوعية الصحية التي تقوم بها في حملاتها الإعلانية، وذلك لوضع حدّ لحالات الانتحار والاضطرابات النفسية التي عاناها الوافدون طوال وجودهم في العزل الكلي على مناطقهم لمدّة تجاوزت ثلاثة أشهر".

المساهمون