الكليجة... لا يأتي العيد إذا لم يصنعها العراقيون

15 يوليو 2015
الصورة
الكليجة العراقية (Getty)
+ الخط -
لا يُسمّى عيداً من غير الكليجة، هكذا يقول العراقيون عن طقوس عيدهم، الذي تبدأ ملامحه بعمل هذا النوع الخاص من المعجنات المنتشر والمعروف في العراق منذ القدم بـ"الكليجة"، حيث تستعد جميع العوائل العراقية في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، بصناعتها من موادها البسيطة، والمتوفرة عند الجميع، والتي تتكون من (الطحين، والسمن والخميرة وبعض المطيبات الخاصة بها)، وأفضل أنواع الكليجة تلك المخبوزة بتنور الطين .
تقول الحاجة أم علي (55 عاماً)، لا يمكنني أن أتخيل بيتاً عراقياً واحداً يخلو من الكليجة، سواء كان في عيد الفطر أو عيد الأضحى، فضلاً عن باقي فصول السنة، وسواء كان بيت فقير أو غني، فمن لم يقم بعملها لابد أن يأتيه طبق منها من بيت الجيران. وعن طقوس عمل الكليجة تقول أم علي لـ "العربي الجديد"، لا تختلف طقوسها عند جميع العراقيين، فهي تحتاج الى مجموعة من النسوة والفتيات يشتركن بصناعتها، نظراً لأن العوائل العراقية غالباً ما تقوم بعمل كميات كبيرة منها، وتضيف منذ أكثر من 30 عاماً وحين كنت أسكن مع أهل زوجي رحمه الله، وأنا أقوم بصنع الكليجة في البيت، وكنت أعمل كمية 20 كيلو من الطحين على الأقل، وأثناء تخميرها تقوم باقي النسوة بعمل أنواع مختلفة من الحشوات، إذ يمكن حشوها بـ(التمر الخستاوي المنزوع النوى، والجوز (عين الجمل)، ومبروش جوز الهند، والحلقوم والسمسم المخلوط مع السكر وغيرها حسب رغبة العائلة)، كما كنا نقوم بحفظها في قدر مصنوع من الفافون فوق الدولاب، وحين دخول الغرفة نجد أن رائحتها الزكية قد ملأت المكان.
وأضافت، أن اليوم الذي نقوم به بعمل الكليجة يكون يوماً شاقاً لكنه ممتع، فالجميع يحب هذا النوع من المعجنات، خاصة الفتيات الصغيرات اللواتي يتعلمن هذه المهارة المتوارثة عبر الأجيال، ولا تخلو جلسة العمل من تبادل أطراف الحديث بين الكناين والنسوة من الجيران والأقارب المجتمعات للعمل، وغالباً ما يكون الحديث عن أم الزوج (العمّة) وعن أزواجهن، وبعد الانتهاء من عمل الكليجة وحشوها، أقوم بخبزها بتنور الطين، لأنه يعطيها نكهة خاصة وطعماً مميزاً، أما الآن فقد كبرت وتعبت ولا يمكنني أن أقوم بما قمت به قبل 30 عاماً، إلا أن بناتي يعملن الكليجة اليوم بالفرن المنزلي أو يرسلنها إلى الأفران في المنطقة لخبزها أو يقمن بخبزها بالتنور الستيل.

اقرأ أيضاً: العراقيّون يتمسّكون بالمحلبي


نورية الصميدعي (57 عاماً)، لديها معمل منزلي لصناعة المعجنات ومنها الكليجة، تقول لـ "العربي الجديد"، قمت أنا ومجموعة من النسوة الأرامل بعمل المعجنات في المنزل، ولاقى عملنا هذا استحساناً، خاصة عمل (الكليجة)، فهناك الكثير من الموظفات لا يسعهن الوقت لعملها، ما يجعلهن يلجأن إلى شرائها جاهزة من الأفران والأسواق، إلا أن عملها في البيت له نكهة خاصة، وهذا ما وفّر لي زبونات وشهرة، وعن المواد المستخدمة في الكليجة تقول الصميدعي، إن المواد الأساسية في عملها هي الطحين والدهن (السمن البلدي)، والماء والملح ونوع خاص من المطيبات نسميها (الحوايج) وهي عبارة عن مواد مطحونة من (الهيل وحبة البركة وحبة حلوة)، وهذه المواد الأساسية يجب أن لا تتغير، حتى لا تفقد الكليجة نكهتها وتصبح تشبه طعم الكيك وغيرها من المعجنات، حيث لاحظت في الآونة الأخيرة كثيرات يقمن بإضافة الفانيلا والبيكنك بودر والحليب، وهذه كلها مواد أجزم بأنها دخيلة على الكليجة العراقية، لأنه حين نستخدم مطيبات أخرى غير الحوايج التي هي أساس النكهة التي تميّز الكليجة، لا يمكن حينها أن نسميها كليجة بل نوعاً آخر من المعجنات.
وأضافت الصميدعي، لعمل كمية ثلاث كغ من الطحين نضيف لتراً من الزيت أو ما يعادله من الدهن الحر أو السمن النباتي، ورشة ملح وفنجان من مواد الحوايج المطحونة ناعماً، أما الماء يكون حسب تماسك العجينة، والتي غالباً ما تكون صلبة وتختلف عن عجينة الخبز التي تكون لينة ويمكن فردها باليد. وأضافت من عاداتنا تبادل أطباق الكليجة بين الجيران، وإكرام الضيف أثناء زيارة الجيران والأصدقاء والأهل لتبادل تهاني العيد، بتقديم الكليجة مع الشاي العراقي بالهيل، وتتفاخر النسوة فيما بينهن بصناعتها، وغالباً ما يبدي الضيوف آراءهم بالكليجة المقدمة لهم.
ويقول الفران محمود سلمان، تشهد الأفران والمخابز زحاما شديدا في الأيام التي تسبق العيد، لان اغلب العوائل تقوم بأخذ صواني الكليجة الى الأفران لخبزها، وذلك لقلة التكلفة والجهد، وأضاف قبل أيام العيد تقوم بعض العوائل بحجز أسبقيتها في خبز الكليجة، ويكون سعر شواء الصينية الواحدة بين ألفين الى ألفين ونص دينار، حسب حجم صينية الكليجة، أي حوالي دولار ونصف، وأضاف سلمان نقوم بخبز ما لا يقل عن سبعين صينية في اليوم، ويمكن في تلك الأيام أن تشم رائحة الكليجة الشهيّة على بعد 100 متر في المنطقة.

المساهمون