الكلمة المفتاح "المجتمع المدني والوقف"

11 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 04:42 (توقيت القدس)
+ الخط -
قد يكون من المفيد أن نبدأ بشكل أكثر تحديداً وتفصيلاً الحديث عمّا تحتاجه مصر عن ذي قبل، خصوصاً أن كل النُذر تُنبئ بدخولها في شتاءٍ يبدو طويلاً. أدّعي، في هذه المقالة، أن من بين ما تحتاجه مصر تدعيم المجتمع المدنيّ بالمعنى الأوسع، والذي يشمل ليس فقط التنظيمات المرخصة، وإنما أيضاً المبادرات التي تحرّكها قوى شبابية، مرتبطة بالشرائح المجتمعية المحلية.
لقد قامت فلسفة الدول الغربية في دفع مصر نحو الديمقراطية في عهد حسني مبارك على دعامتين: تقوم الأولى على دفع النظام ليتبنى سياسات أكثر انفتاحاً على الرأسمالية الاقتصادية، والسماح بهامش للحركة لمؤسسات المجتمع المدني، ذات الطابع العلماني، والتي ستوفر غطاء يظهر فيه النظام باعتباره متسامحاً مع المجتمع المدني. والدعامة الثانية تقديم الدعم المالي واللوجستي، من خلال المنح المالية والتدريبية، لمؤسسات المجتمع المدني غير الإسلاموية، بأنواعها كافة، مع عدم الاعتراف بمؤسسات المجتمع المدني التي لا يعترف بها النظام، والتي نشأت من خلال شبابٍ، لا يتبع أيديولوجية إسلاموية، أو علمانية، بالمعنى الغربي.
 
يبدو لي أن كلمة المفتاح "تمكين المجتمع المدني" هي قاطرة التحرك نحو الديموقراطية، ولكن، لابد أن يتم الاتجاه بشكل مغاير عن الأسلوب الغربي في التمكين. فقد اتضح، بما لا يعطي مجالاً للشك، أن مؤسسات المجتمع المدني التي استفادت من المنح الغربيّة لم تتبنَّ حقيقةً القيم الليبرالية، وإنما تبنت قيم النظام نفسه، واستفادت من هذه المنح في إيجاد طبقة طفيلية من المستفدين
1) مالياً من المؤسسات المانحة الغربية، والعلاقات العابرة للبحار التي يتم الاستفادة منها حالياً، لترويج أهمية السماح بعودة نظام مبارك، بوجوه جديدة، والتضحية بالعملية الديموقراطية التي قد تأتي بحركات إسلاموية نكرهها، أو على الأقل، لا نثق بها.
2) وشرعياً، في اعتراف النظام بوجودها، والسماح لها إدارياً بمزاولة عملها، فهي، من ناحية ثانية، تقدم له أيضاً شرعية، ولو صورية.
يقوم الأسلوب الجديد الذي لابد أن يُتبع على تمكين وتدعيم المباردات الشبابية المرتبطة بالمجتمع المحلي (local community)، والتي لا تعتمد في شرعيتها على الدخول في علاقات مشبوهة من النظام وأجهزته الأمنية، والتي تقوم على مجموعة من القيم القائمة على المساواة في الحقوق للجميع وبالجميع. والدفاع عن حقوق الجميع من دون تمييز بين ديني وغير ديني، إسلاموي وعلماني...، وغيرها من المسميات التي يصنعها النظام، وتتبعها المؤسسات التي تدور في فلكه. هكذا تدعيم لا يمكن أن يقوم على مؤسسات مانحة جديدة، لديها تصور مصنوع قُدماً، حول كيفية التغيير والعلاقات والتشبيك، والتي تدخل في علاقات مع مؤسسات المجتمع المدني، تتجه نحو الفساد، بدرجاته التي تبدأ بالعلاقات الشخصية بين المانح والمستفيد، وتنتهي بالدخول في شبكات جديدة من العلاقات المتشابكة، سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، أو جميعها.
إذن، أقترح، بشكل محدد، ضرورة العودة إلى إنشاء وقفيّات وطنية وإقليمية، تقوم بعملية التدعيم اللوجستي والمعرفي للمجتمع المدني، المُنشأ من خلال الشباب ذي التخصص الواضح، والذي يعمل على الأرض، وليس في المكاتب. أيضاً، التوجه خارج القاهرة والإسكندرية (المركز) ليشمل تدعيم مؤسسات/مبادرات ذات طبيعة محلية (الأطراف)، يقوم على عملها شباب من البيئة المحلية، يعدّ من الأهمية بمكان، لتحقيق ما يُسمى التمكين الأفقي المتوازن للعمل المدني.
لا بد أن تخرج الوقفيّات من مجال سيطرة الدولة/الدول، المؤسسات المانحة الغربية والدولية، والأُسر الحاكمة الإقليمية، ليقوم عليها مهنيّون محترفون ذوو خبرة، متعددو الجنسيات والتخصصات، وتتبنى منهجية العمل التشاركي، والذي يقوم على دعمٍ لصيق للمجتمع المدني، يعطي مساحة للاستقلالية والإبداع والتأثير داخل المجتمع المحلي.
إن تدعيم مؤسسات المجتمع المدني من خلال وقفيّاتٍ، تتمتع باستقلالية عن الدوائر السياسية، يمكنها أن تضع اللبنة الأولى والأساسية نحو تغيّر حقيقي، بشكل أُفقي، يشمل المكان، ورأسي يشمل الانتمائات الدينية والهوياتية والعرقية، ويؤثر، في وقت منظور، نحو تغيّر حقيقي في المجتمع، تجاه الديموقراطية، والانعتاق من عبودية الأنظمة الديكتاتورية.
 
EB663898-3457-459C-B1E2-A40FE222DCB7
نجوان الأشول

كاتبة مصرية، رئيسة المركز العربي لتحويل النزاعات والتحول الديمقراطي، باحثة دكتوراه في الحركات الاجتماعة والإسلامية بالجامعة الأوروبية، عملت باحث دكتوراه في المعهد الألماني للدراسات الدولية. تنشر مقالات بالعربية والانجليزية.