الكساد في سورية... غلاء الأسعار مع تراجع سعر الليرة

14 ديسمبر 2019
الصورة
الأسعار ترهق المواطن السوري (فرانس برس)
+ الخط -
تعيش الأسواق السورية تناقضات ملحوظة، ففي وقت ارتفع سعر صرف الليرة وازداد عرض بعض السلع عن حاجة السوق، كالألبسة والحمضيات ومشتقات الألبان، حافظت أسعار هذه السلع على الارتفاع الذي شهدته الشهر الماضي ومطلع ديسمبر/ كانون الأول الحالي حين تعدى سعر صرف الدولار، الألف ليرة سورية. في حين تشهد السلع نادرة الوجود، ارتفاعاً صاروخياً بالأسعار.

ويرى خبراء من دمشق، أن تكدس السلع بالأسواق، لا يؤشر إلى حجم الاستهلاك لنحو 19 مليون نسمة، إنما يتناسب مع حاجة خمسة أو ستة ملايين نسمة، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار مقارنةً بالأجر الذي يتقاضاه الموظف، ما تسبب بتموضع 80% من السوريين تحت خط الفقر، حسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2018.

ولم ينعكس تحسن سعر صرف الليرة السورية بنحو 20% خلال الأسبوع الماضي، على أسعار السلع والمنتجات، التي ارتفعت بالتوازي مع تهاوي سعر الليرة التي وصلت إلى نحو ألف ليرة مقابل الدولار، مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، قبل أن تتحسن إلى نحو 780 ليرة للدولار، ومن ثم تتراجع إلى 850 ليرة للدولار حالياً.
وتؤكد مصادر لـ"العربي الجديد" من دمشق، أن الأسعار التي ارتفعت بأكثر من 30% خلال الشهر الماضي، لم تتراجع بأكثر من 10% بعد تحسن سعر صرف الليرة، عازية الأسباب إلى فوضى الأسواق وجشع التجار ونفاد العديد من السلع بالأسواق السورية.

ويرى الاقتصادي السوري حسين جميل أن تراجع دعم المستوردات، بل وتخفيض عدد السلع التي يمولها المصرف المركزي من 41 سلعة إلى خمس سلع، أثر على كمية العرض بالأسواق، لأن التجار مضطرون لتأمين الدولار من السوق السوداء بسعر نحو 850 ليرة في حين دولار الاستيراد التي كان يدعم به المصرف المركزي، بسعر 345 ليرة.

ويكشف الاقتصادي السوري لـ"العربي الجديد"، أن العراقيل لم تزل شديدة على التجار، فرغم ما قيل عن سحب وزارة الاقتصاد قرار إيداع 10% من قيمة المستوردات بالدولار، في صندوق دعم الليرة، إلا أن وزارة الاقتصاد، أصدرت قبل يومين، قرارا بتجميد 25% من قيمة إجازة الاستيراد بالليرة السورية إن كان المستورد مودعاً، و15% من قيمة الإجازة إن لم يكن مودعاً، وذلك لمدة شهر بزعم تقليل عرض الليرة بالأسواق وحمايتها من الانهيار.

وحول نفاد بعض السلع من الأسواق، يضيف جميل أن كمية الموز التي سمحت وزارة الاقتصاد استيرادها من لبنان قبل عشرة أيام هي 70 ألف طن نفدت من السوق، وإن بقي موز بالأسواق السورية فسعر الكيلوغرام اليوم بنحو 1400 ليرة، وما يتعلق بالسكر والمواد الكهربائية، فعلى الأرجح أن إحجام التجار عن الاستيراد بعد التخلي عن تمويل عقودهم، هو السبب.

ملاحقة التهريب

وكانت المديرية العامة للجمارك بسورية، قد أعلنت قبل أيام عن خطة تحرك جديدة، بعد أن وافق عليها مجلس الوزراء واللجنة الاقتصادية ووزارة المالية، نصت على فرض طوق جمركي "من العيار الثقيل جداً" على محيط المدن ومداخلها الرئيسية والفرعية، وصولاً إلى سراديبها التي كان المهربون يتسللون منها خلسة مع مهرباتهم، لقطع الطريق باتجاه المحال والمتاجر والمستودعات والأقبية المظلمة. ‏

وبحسب تقارير صحافية رسمية، فقد باشرت الجمارك تنفيذ خطوتها، وفقاً لخريطة الطريق الجديدة التي تم رسُمت للمرحلة القادمة، من حملة مكافحة التهريب التي سوف تشمل كامل المساحة الجغرافية السورية وجميع المهربين على اختلاف قضاياهم وحجم وقيمة مهرباتهم.‏
وتتضمن المرحلة الأولى من استراتيجية مكافحة التهريب الجديدة، نشر المديرية العامة للجمارك دورياتها على كامل محيط مدينة دمشق، في خطوة باتجاه ضبط المهربين قبل دخولهم إلى أسواق وأحياء المدينة، ومنعهم من إكمال وجهتهم.

ومن العاصمة السورية دمشق، يقول المحلل الاقتصادي علي الشامي، إن خطوة الجمارك مهمة ومفيدة، ولكنها إعلانية وغير مجدية، فبدل من أن تلاحق الجمارك الأسواق ومداخل المدن، وهو عمل التجارة الداخلية، عليها أن تضبط الحدود مع لبنان والعراق والحدود البحرية "فمن هناك يضاعف الحيتان المقربون من السلطة ثرواتهم عبر إدخال البالة والدخان والسلع الكهربائية والغذائية".

وحول أسباب تحسن الليرة السورية والإجراءات التي اتخذتها حكومة الأسد، يضيف الشامي لـ"العربي الجديد": لم تتخذ الحكومة أو المصرف المركزي أي إجراء عملي على الأرض، بل اكتفت رئاسة مجلس الوزراء بثلاثة اجتماعات "مع الصحافيين ومن ثم التجار وبالأمس مع أصحاب شركات الصرافة".

ويتابع: "لكن ما أعتقده سبب تحسن سعر الليرة، هو الدعم الإماراتي المباشر عبر منح حكومة الأسد الدولار، كما لا أستبعد أن تكون السعودية قد دخلت على خط تثبيت سعر الصرف وكرسي بشار الأسد، وتتم الآن تعديلات بالسفارة السعودية بدمشق وقد زار وفد من اتحاد الصحافيين السوريين الرياض، ما يعني اقتراب عودة العلاقات بين الرياض والأسد".

ويختم المحلل السوري أن تعافي سعر صرف الليرة مؤقت، فبعد أن بلغ الدولار عتبة الألف ليرة، يمكننا اعتبار ذلك بالسقف الجديد الذي ستعاود الليرة التهاوي إليه، بعد زوال الضغط الأمني على الأسواق وشركات الصرافة ونفاد الدعم الخليجي المباشر الذي من المتوقع أنه وصل إلى الأسواق وحكومة الأسد.

ارتفاع أسعار الدواء

وخلال موجة فوضى الأسواق وغلاء الأسعار، قفزت أسعار الدواء بسورية بنحو 30% خلال الشهر الأخير، كما يؤكد العامل بقطاع الأدوية من دمشق، أحمد الصمودي، مبرراً الأسباب بإغلاق منفذ لبنان وارتفاع أسعار المواد الأولية الداخلية بالإنتاج التي تستورد بالدولار.

ويؤكد الصمودي لـ"العربي الجديد"، نفاد العديد من الأدوية المحلية من الصيدليات السورية، رغم رفع أسعار الأدوية خلال العامين الماضيين، بنحو 600% واشتداد معاناة المرضى جراء عدم توفر معظم أدوية الأمراض الخطرة أو ارتفاع أسعارها خاصة "أدوية السرطان والقلب والضغط والكلى" وما يقال عن معامل أدوية جديدة ودخول شركات إيرانية، لم تزل حبرا على ورق فقط، لأن سورية تعاني من تراجع هذه الصناعة بعد خروج نحو 24 شركة عن الإنتاج، وتراجع القدرة الإنتاجية لدى من يعمل، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة وإلزام وزارة الصحة الصيادلة وشركات الأدوية بالبيع بالتسعيرة النظامية.

وتكشف مصادر إعلامية من دمشق، عدم التزام الصيدليات بالأسعار الرسمية وأن ثمة ارتفاعا للأسعار: "أسعار جديدة مكتوبة على عبوات الأدوية" وهي مخالفة للسعر الذي تحدده وزارة الصحة.

المساهمون