الكرة والسياسة.. الحكم لم يعلن عن كل الأهداف

09 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -

صعد المنتخب الوطني المصري بعد فوزه في مباراة التأهل لكأس العالم؛ فعمت الفرحة وطافت عواصم عربية وأوربية، قادها مصريون وجنسيات عربية، في مشهد احتفالي ضخم، ضم كافة عناصره، من شماريخ وألعاب نارية، وتوزيع هدايا على المارة، بطريقة عشوائية وعفوية، تشعر معها باطمئنان ونشوة غريبة، لم تعتدها!

ليس ثمة نية بين هذه السطور للتقليل من الفرحة والسخرية منها وتشكيل وصاية على أحد، كما هو ليس من شأن أي طرف التدخل في منح قيمة لهواية رياضية أو فنية، وانتماء أفراد لها، ودعمهم بشتى الطرق والوسائل، بالإضافة إلى متابعة أحداثها والاهتمام بشؤونها المختلفة.

لكن نتحرى عددًا من الإشارات التي تفصح عن استغلال وتوظيف حوادث بعينها، للمداراة والتعمية عن أمور أخرى وتفريغ شحنات من الكبت والإحباط وتوجيهه في مسارات أخرى وتصفية حالة من التعبئة وصناعة فرح مؤقت وانتصار للمواطن يخفف من وطأة أعبائه ومشاكله المتراكمة.

ربما، بدا المشهد الإعلامي المصري، على وجه التحديد، الخاص والرسمي، بدون استثناء، في صورة تستعير نفس عناصر المشهد القديم، في أيام نظام المخلوع مبارك، خاصة مع سنوات حكمه الأخيرة؛ حيث كان يظهر برفقة زوجته وأبنائه، ثم مشاركة ولديه (علاء وجمال)، بصورة ملفتة ومتكررة، في عدد من مباريات المنتخب والدوري المحلي، في ظل تنامي شائعات توريث الحكم، كنوع من الدعاية السياسية والتودد للناس، ومشاركتهم اللعبة الأكثر شعبية وجماهيرية.

ظل حديث الكرة وصراعاتها هو الذي يسيطر ويشغل بال المصريين، في سنوات ما قبل الثورة، عام 2011؛ كانوا عبارة عن فريقين كبيرين (الأهلي والزمالك)، تتمدد الخلافات بينهما وتتنازع الآراء حولهما، حسب الانتماءات، وحساب الفوز والخسارة، وتقييم اللاعبين وتكتيك الخطة والأداء الفني أثناء المباراة ويجمعهم من بعد فرقة عندما يلعب المنتخب الوطني، وبالتالي، كانت مصدر الفرحة الوحيد أو الحزن أو الثورة، حتى ترددت مقولة في حينها تعقيبًا على ملايين المصريين، الذين كانوا يحتلون شوارع وميادين القاهرة وأقاليمها، عقب كل فوز، بأنها قادرة لو صمدت يوم واحد، لكن بغية الاحتجاج، سننجح في إزاحة مبارك عن الحكم.

يستعيد نظام عبد الفتاح السيسي نفس الآلية القديمة والسابقة، في صناعة صورة بصرية تخفي قتامة المشهد اليومي وسوداويته، ومحاولة التشويش على جرائمه وقمعه، وحال المصريين الذي ينهبهم الجوع والفقر والاستبداد، مع تنامي حالة الغلاء والعجز الاقتصادي، الذي لا يقل قساوة وفداحة عن درجة التعذيب القصوى، في أقبية السجون والمعتقلات، والاختفاء القسري والحبس الاستثنائي، لسنوات، بدون محاكمات، وفي ظل قوانين وإجراءات سيئة السمعة.

لم يكف الإعلام التقليدي عن حشد كل إمكانياته المعنوية والمادية، في شحن المشاهد وتهيئته لاستقبال حدث تاريخي ومهم، لا تخلو منه النبرة العالية وجرعة الوطنية الزائدة والأغنيات الحماسية، التي تضغط مشاعره وتجبره على الطاعة والرضوخ، وتلبية نداء مجهول يتمدد على كل أجزائه الحسية والعصبية، فيستجيب لمؤثراتهم ويتحول إلى أثر لظل باهت من صورة ضعيفة بعيدة، تتناوب عليها الأضواء والأصوات المزعجة، التي تتردد في حلقات ودوائر لا نهائية، بدون تأثير وهدف.

ظهور عبد الفتاح السيسي وقيادات من المؤسسة العسكرية، لتهنئة اللاعبين في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، لم يكن مجرد دعم للفريق المصري، لكنه، من ناحية، كان التماس رصيد شعبي بهذا الحضور، ومن ناحية أخرى وهي الأهم، محاولة دؤوبة لشحذ عناصر قوة وبطولة مفقودة للسيسي، وتأطيره داخل أي صورة تحظى بقبول ونجاح كبيرين حتى لو بدا متطفلاً عليها.