الكاظمي وأجندته إلى واشنطن

16 اغسطس 2020
الصورة

الكاظمي في البصرة .. (15/7/2020/فرانس برس)

+ الخط -

يلتقي رئيس مجلس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الـ20 من شهر أغسطس/ آب الجاري، في ظل الأوضاع الضبابية التي تعيشها العملية السياسية في العراق، وخصوصاً بعد الإرباك الذي سببته تظاهرات الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، وجاءت بالكاظمي حلاً مؤقتاً، اُكرهت عليه قوى مهمة في التوازنات السياسية، وأيضاً بعد زيارته "غير المثمرة" لطهران نهاية الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، والطريقة التي تعامل بها الطرفان، العراقي والإيراني، مع بعضهما؛ فإن كل المؤشرات تفضي، ربما، إلى تركيزٍ عالٍ من الكاظمي على الدور الأميركي في منحه فرص تحقيق نوع من المتغيرات الإيجابية في الواقع المزري للعراق، من النواحي الاقتصادية والأمنية والصحية. 

ومن خلال جدول الأعمال المعلن من بغداد، سيبحث الطرفان في واشنطن "ملفّات العلاقات الثنائية، والقضايا ذات الاهتمام المشترك، والتعاون في مجالات الأمن والطاقة والصحّة والاقتصاد والاستثمار، إضافة إلى التصدّي لجائحة كورونا، والتعاون الثنائي بما يخدم المصالح المشتركة". ومن هذه العناوين أمور رئيسية لم تذكرها الديباجة الرسمية لهذا الجدول، قد يكون من أهمها موضوع الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي العراقي - الأميركي، التي يترقبها من يناصبون الكاظمي العداء، ويعتبرونه، ضمناً أو علناً، ذا هوىً أميركي، وكذلك من يرى في الوجود الأميركي صمام أمان للتوازنات السياسية والإقليمية في العراق. ومن المرجّح أن يصوغ طرفا الحوار صيغة مذكرة نهائية، تُبقي على الوجود الأميركي في قاعدتي عين الأسد وحرير في الأنبار وأربيل، مع وضع جدول زمني "مرن" لانسحاب بقية القوات الأميركية من قواعد عديدة في عموم العراق، لارتباطها بمسائل عديدة، منها محاربة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، وتدريب القطعات العراقية وغيرها.

صيغة مذكرة نهائية، تُبقي على الوجود الأميركي في قاعدتي عين الأسد وحرير في الأنبار وأربيل، مع وضع جدول زمني "مرن" لانسحاب بقية القوات الأميركية

لن يُرضي هذا الأمر طهران وحلفاءها في العراق، لا بل سيغضبهم جداً. ولذلك سيحاول مصطفى الكاظمي الضغط على الجانب الأميركي، للقبول بحلول وسط مع إيران، وتخفيف حدّة العقوبات المفروضة عليها، ليقيم نوعاً من التوازنات بين مصالح العراق في الوجود الأميركي، وقلق إيران وتخوفها من هذا الوجود على مقربة من طول حدودها الغربية، وأيضاً من ضغوط العقوبات ورغبتها غير المُعلنة في إعادة أجواء من التفاهمات المشتركة مع واشنطن.

الكاظمي الذي لم تثمر زيارته لطهران شيئاً في تغيير مسارات العمليات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق، قد يضع أغلب آماله في مساعداتٍ واستثمارات أميركية تنتشل بلده من أزمات خانقة، جُلها ذات منحىً اقتصادي لم يعُد بمقدور حكومته مواجهتها، كأزمة الكهرباء المزمنة، وجائحة كورونا، والمساعدة في ضبط الأمن الذي يقود إلى زيادة إقبال المستثمرين الأميركيين على السوق العراقية.

الفصائل المسلحة، بشكل شبه مطلق، تشكك في نيات الكاظمي، ويرى بعضها، وخصوصاً الشديدة الولاء لطهران، أنه سيبحث، بشكل شخصي، مواضيع تمسّ وجودها، لأنها تتصرّف خارج إرادته في عدة مناحٍ؛ كحيازتها كميات كبيرة وأنواعاً عديدة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وعدم توقفها عن قصف القواعد والمقار الدبلوماسية بصواريخ الكاتيوشا، وسيطرتها على مناطق بعينها في عموم العراق، لها فيها الصوت الأقوى. كذلك يعتقد بعضهم أن الكاظمي سيستعين بالجانب الأميركي في موضوع حل "الحشد الشعبي"، أو تحجيمه، باعتباره هيئة عسكرية عقائدية لا يمكن احتواؤها. وبحسب الناطق باسم "كتائب سيد الشهداء"، كاظم الفرطوسي، هدف زيارة الكاظمي "إعطاء ضمانات بحلّ الحشد الشعبي، وإذا لم يستطع، فسيعمل على تحجيمه، فضلاً عن ضمانات أخرى بتخفيف العلاقات العراقية – الإيرانية". ودليل الفرطوسي أن "الكاظمي قدّم الولاء للولايات المتحدة قبل حصوله على منصب رئيس الوزراء. والآن بدأ بتنفيذ بعض الأعمال وفق المصالح الأميركية، وسيعمل أيضاً على محاربة فصائل المقاومة".

سيحاول الكاظمي الضغط على الجانب الأميركي، للقبول بحلول وسط مع إيران، وتخفيف حدّة العقوبات المفروضة عليها

ليس من مصلحة العراق أن يميل كل الميل إلى طرفٍ ويناصب الطرف الآخر العداء، فكل أوضاع العراق مأساوية ولا تتحمل ضغوطاً من أي طرف. وهنا، قد يكون الاختبار الحقيقي لمهارة رئيس الوزراء، سواء خلال المفاوضات أو بعد عودته إلى العراق، وبيان نتائج زيارته مجلس النواب العراقي. وأغلب الظن أنه سيلامس حاجات شعبية وطنية ملحّة، تجعل من الوقوف في طريقه موضوعاً بالغ الحساسية جماهيرياً، وأيضاً بالنسبة إلى القوى المؤيدة لتوجهاته نحو واشنطن، لإيجاد حالة من التوازن الدولي والإقليمي داخل بلاده.

أمام الكاظمي فرصة كبيرة ليتحول إلى زعيم مرحلة إنقاذ للعراق مما أوقعه في هذا البلد الفساد والتخلف والتغولات الإقليمية المتحكّمة بمقدراته، وهذا ربما ما يضعه الرجل نُصب عينيه، حين يطالب الأميركيين بمدّ العراق بما يحتاجه من متطلباتٍ عاجلة، وإلا فإنه سيُفهمهم أيضاً أنه في حال فشله في الحصول على التعاون الأميركي المطلوب، لن يتمكّن طوعاً أو كرهاً، من الاستمرار بمنصبه رئيساً للوزراء، كذلك لن يُبقي لهم خلفه فرصاً كبيرة للبقاء في العراق.