الكاظمي وآمال الدعم السعودي - الأميركي

30 يوليو 2020
الصورة

المرشد خامنئي مستقبلا الكاظمي في طهران (21/7/2020/الأناضول)

بعد زيارة لرئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، طهران في 21 يوليو/ تموز الجاري، تعرض فيها إلى ضغوط نفسية وبروتوكولية كبيرة من مضيفيه، بات الملعبان الرئيسان المرجوان للحكومة العراقية؛ الرياض وواشنطن، فهما، كما يبدو من تصريحات مقرّبين من الكاظمي، باتا فيصل (الأمل) بحدوث متغيرات حقيقية في الواقع العراقي المزري.

نعم، فقد اتفق الإيرانيون، على ما يبدو، على إظهار الوجه الغاضب لموقف الكاظمي من مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني وصاحبه زعيم مليشيا حزب الله العراقي أبو مهدي المهندس، قرب مطار بغداد الدولي في 3 يناير/ كانون الثاني الماضي، بغارة أميركية محكمة، فمنذ لحظة الاستقبال الباهت لطائرة الكاظمي ورسمية المُستقبِل (وزير الطاقة الإيراني)، فإن كل الذين تم الاجتماع بهم أو زيارتهم كانوا متفقين على هذا الملف، والذي اعتبروه على ما يبدو مدخلاً كافياً لـ"طرد" القوات الأميركية من العراق.

يحسب للكاظمي أنه قال في طهران ما عنده، وأعلن لاءاته للجمهورين، الإيراني والعراقي

لم يصطحب الكاظمي معه أياً من المسؤولين العراقيين المعروفين بقربهم من إيران، باستثناء قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي، وكان دبلوماسياً في امتصاص الرسائل التي وجهت إليه، بعضها بتقدير، وأخرى بغيره، فهو وقبل أن يبدأ زيارته، يعلم جيداً حجم إيران وقوتها في داخل العراق، كما أنه وضع مسبقاً هدفاً رئيساً لزياراته الخارجية الثلاث (طهران والرياض واشنطن)، مفاده جعل العراق بلداً جامعاً لمصالح هذه الدول واستثماراتها، بدلاً من أن يكون ساحة مفتوحة لصراعاتها وحروبها. لذلك هو لم يكترث كثيراً لكل ما قيل عن عمد، سواء في محادثاته مع مختلف الشخصيات أو عبر المؤتمر الصحافي الذي عقده بصحبة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، وأقل قليلاً عند استضافته من المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في مكتبه.

ما يحسب لرئيس مجلس الوزراء العراقي، وبخلاف كل من سبقوه من مسؤولين عراقيين عند زياراتهم طهران، أنه قال ما عنده، وأعلن لاءاته للجمهورين، الإيراني والعراقي على السواء، وأهمها ما قاله في مؤتمره الصحافي مع الرئيس روحاني في طهران "إن الشعب العراقي تواق لعلاقات تعاون مع إيران وفق خصوصية كل بلد، ووفق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية". كذلك حرّر الكاظمي القيادة العراقية من موضوع مساعدة إيران للعراق في محاربة تنظيم داعش الإرهابي التي لا تنفكّ كل مستويات الخطاب الإيراني تذكره في كل شاردة وواردة؛ حيث توافق مع هذا المنطق، لكنه عادل كفة المواقف بين البلدين، حين قال "نعم لقد ساعدتم العراق في محاربة التنظيم الإرهابي داعش، لكننا ساعدناكم أيضاً اقتصادياً وحوّلنا العراق إلى سوق للمنتجات الإيرانية، وحان الوقت لإقامة علاقات سوية بين البلدين وأن تعامل طهران العراق كدولة". وبحسب هشام داود، مستشار رئيس الوزراء العراقي، كان الكاظمي "صريحاً في محادثاته مع الإيرانيين، وأبلغهم أنه يفهم مصالح إيران واهتماماتها، ولكن يجب أن يفهم الإيرانيون أيضاً أن مصالح العراق تتطلّب تنويع علاقاته في المنطقة والعالم". ويرى مستشار الكاظمي (وهو يتحدث بنفس الكاظمي) أن لدى الإيرانيين القدرة على تهدئة التوترات الحالية بشكل كبير بين الكاظمي والفصائل المسلحة المدعومة منهم، لذا "إذا أراد الإيرانيون الحصول على ما يطالبون به، فعليهم أن يوقفوا السلوك الطفولي لبعض حلفائهم في العراق".

قال المرشد الأعلى لضيفه الكاظمي من دون اكتراث لردود فعله: على العراقيين إخراج الأميركيين من بلدهم انتقاماً لمقتل سليماني"

اللقاء الأهم بالنسبة للإيرانيين كان بين الكاظمي والمرشد الأعلى علي خامنئي، وهو اللقاء الذي كثر اللغط حوله، سواء من حيث البروتوكول أو من حيث صيغة الحديث أو التوجيهات التي تعمّد خامنئي توجيهها إلى ضيفه، والتي تدور كلها حول عدم انتقام العراقيين لمقتل سليماني والمهندس على أراضيهم، ولعل أخشن العبارات التي قالها المرشد الأعلى لضيفه من دون اكتراث لردود فعله "لقد قتلوا ضيفك في منزلك"، "إيران تريد عراقاً مستقلاً وقوياً، وأمیركا عدو لعراق مقتدر، وعلى العراقيين إخراج الأميركيين من بلدهم انتقاماً لمقتل سليماني". ولم يعلق الكاظمي ألبتة على حديث المرشد الأعلى، لكنه شعر بما شعر به كل عراقي تابع مشاهد اللقاء أو تفاصيل كلماته.

مشهد استقبال المرشد الأعلى علي خامنئي رئيس وزراء العراق يمثل تعزيز الشعور لدى الأخير بأن العلاقة مع إيران يجب أن تضبطها علاقة قوية ومتوازنة مع الولايات المتحدة والعربية السعودية وسائر جيران العراق، لأن الوضع الإيراني مع العراق، وبالطريقة التي بدت خلال هذه الزيارة، لا يمكن تشذيبه أو حتى تعديله. وبدون تفهم الأشقاء والأصدقاء هذا الأمر وحساسيته بالنسبة للعراق، لن يتمكنوا من مساعدة العراقيين على حماية مسيرتهم للبناء والنماء، وسيكون من نتاج زيارة الكاظمي لعاصمتين (الرياض وواشنطن) حتماً علاقات عراقية دولية متوازنة المصالح، وليس من خلال محاولة فرض سلطة وأوامر من يظن أنه صاحب السلطة العليا والموقع المقدس، خصوصاً مع رئيس وزراء يحظى، حتى الآن، بقبول دولي، وربما أيضاً بقبول شعبي عراقي جيد.