الكاظمي بين حُسن الظن وسوئه

20 مايو 2020
الصورة

مصطفى الكاظمي في مجلس النواب العراقي (6/5/2020/الأناضول)

+ الخط -
كتب يقول: "علينا أن نحسن الظن بالكاظمي، فهو قد يستطيع أن يفعل الكثير، أن يحاسب قتلة المتظاهرين، أن يعمل على حصر السلاح بيد الدولة، أن يهيئ لانتخابات مبكرة، وأن يقاضي الحيتان الكبار". 
كتبت إليه: نعرف تماماً أن مصطفى الكاظمي هو صاحب التوقيع الثاني والستين في رسالة "الشكر والعرفان بالجميل" التي وجهها في حينه (مثقفون) عراقيون إلى الرئيس الأميركي، جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا، توني بلير، وهو ابن "العملية السياسية" التي أنشأها الأميركيون، وقد جيء به في لحظة توافقٍ محسوبةٍ بين واشنطن وطهران، وفي مرحلة حرجة في العلاقة بين العاصمتين اللتين تحكمان بغداد معاً، وتتحكّمان في قرارها السياسي. ونعرف أن العمل على تفكيك هذه "العملية" التي دخلت عامها الثامن عشر دونه خرط القتاد، على الرغم من أنها عانت وتعاني من الانهيار، ولم يبق غير إطلاق رصاصة الرحمة عليها، والتوجه نحو عملية سياسية وطنية، وكنا في انتظار أن يعلق الجرس أحدٌ ممن عقدوا مؤتمرات إنقاذ، وأعلنوا مشاريع وخططاً وبيانات، ولكن هذا لم يحصل، لأن معظم أولئك كانوا يبحثون عن صفقات وعقود، وعن مواقع ونفوذ، وقد حصلوا على ما طمحوا لنيله، وبلعوا ألسنتهم عند أول اختبار لنياتهم.
ولكن لحسن الحظ أدركتنا ثورة الشباب التي وجدنا فيها مشروعاً للتغيير معبراً عن الإرادة الشعبية في استعادة الوطن من سارقيه، ونعترف أنه، وفي حالة شائكة ومعقدة مثل العراق، يتطلب التغيير إرادة دولية فاعلة مساعدة على إنجازه. وهنا مكمن الحذر، فقد تكون حسابات القوى الخارجية المتعاطفة هي غير حسابات العراقيين الذين يريدون تغييراً جذرياً، فيما تسعى تلك القوى إلى استباق ما قد يحدث وتجييره لصالحها، وهذا ما جعلها تدفع باسم الكاظمي إلى الواجهة، وتمنحه دعمها اللامحدود منذ الساعات الأولى، كما حفّزت مجلس الأمن على إصدار بيان، في سابقةٍ غير معهودة، في تكريس هذا الدعم وإعطائه مزيداً من الزخم والفاعلية.
وهكذا سارع الكاظمي، بعدما جمع مجد السلطة من أطرافه، للتحرّك في أكثر من ميدان، بهدف 
إيجاد انطباع إيجابي لدى الشرائح المطالبة بالتغيير، والإيحاء للمواطن العادي بقدرته على الفعل، وضمنت له خطوته بإطلاق سراح المعتقلين من شباب الانتفاضة حالة ارتياح لدى الجمهور، وشكّلت رسالةً إلى ساحات الاحتجاج بأنه جادٌّ في تلبية مطلب الاقتصاص من قتلة المتظاهرين، إلا أن زيارته مقر "الحشد الشعبي"، بحضور قادة المليشيات "الولائية" المرتبطة بخامنئي، أعطت دلالة معاكسة لم تغب عن المتابع، وقد وصفتها مليشيا موالية لطهران بأنها "ألجمت الأفواه التي تحدّثت عن خلاف بيننا وبين الكاظمي"، بعدما كانت قد أطلقت عليه في بياناتٍ معلنةٍ صفة "العميل الأميركي"، واتهمته بالضلوع في واقعة مقتل ثنائي قاسم سليماني وإبراهيم المهندس في مطار بغداد.
وما تسرّب من وراء الكواليس كشف أن الهدف من الزيارة هو العمل على توحيد المليشيات المنقسمة بين الولاء لخامنئي والولاء للسيستاني (لا ولاء للوطن!) ووضعها في عهدة رجلٍ واحدٍ يتلقى توجيهاته من قم، ويخضع شكلياً لسلطة بغداد، وإضفاء طابع "مكوّناتي" عليها من خلال تعيين قيادات مساعدة لتنظيم "الحشد" من السنة والمسيحيين والأيزيدية والشبك، وهي الفكرة "العبقرية" التي تفتق عنها عقل محمد كوثراني الذي أوكلت إليه طهران مسؤولية الملف العراقي.
هنا بدأت خيوط اللعبة تتضح أكثر وأكثر، فالسلاح بدلاً من أن يحصر بيد الدولة سوف يظل بيد المليشيات، وبضمنها المليشيات "الولائية" التي ستنخرط في جيش رديف موازٍ للجيش الاعتيادي، وسيوفر لها قانون "الحشد الشعبي" النافذ المظلة الرسمية والتمويل، والاقتصاص من قتلة المتظاهرين سوف يختزل إلى معاقبة شرطي بسيط، أو رجل أمن صغير نفذ أمراً بالقتل صدر له من جهة عليا، فيما ستظل تلك الجهة في منأى عن أية عقوبة أو اتهام.
وإذا بقي السلاح منفلتاً والقتلة أحراراً، فإن من السهل على الكاظمي أن يلتفّ على مطلب الانتخابات المبكّرة، وفي ظل ما سيتأسس على الأرض من معادلات، فإن الفوز في الانتخابات سيظل معقوداً لرجال الأحزاب "الإسلاموية" الحاكمة اليوم بلا منازع، وعندما تتكرّس لهم السلطة من جديد لن يجرؤ أحد على المسّ بهم أو بأقرانهم من "حيتان الفساد" الذين عاثوا شروراً.
تلك هي بعض خيوط اللعبة التي تنذرنا أن حسن الظن مسألةٌ لا تستقيم وواقع الحال، و"حسن ظنك بالأيام معجزة، فظن شراً وكن منها على وجل"!