الكارتل المالي يدخل لعبة القرار السياسي في الجزائر

25 نوفمبر 2016
الصورة
دعوة لصحوة شعبية ضد هذا الكارتل (فاروق بطيش/فرانس برس)
+ الخط -
بدأت الطبقة السياسية في الجزائر تستشعر مخاطر تدخّل الكارتل المالي في الشأن السياسي. وخلال الأسبوع الماضي، تركّزت أغلب تصريحات كبار قادة الأحزاب السياسية في البلاد على التحذير من تمدّد الكارتل المالي نحو الإمساك بالمشهد السياسي إلى حد التأثير المباشر في صياغة قانون الموازنة، بما يخدم مصالح رجال الأعمال ويسهّل سيطرتهم على العقارات ومقدّرات البلاد.
ووصف حزب "جبهة القوى الاشتراكية" الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجزائر بالخطير، محذراً من سيطرة رجال المال والأعمال ومن يصفهم بـ"الأوليغارشيا" على مقدرات البلاد. وقال رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، شافع بوعيش، في جلسة للبرلمان خلال مناقشة قانون الموازنة لعام 2017: "لا توجد أزمة اقتصادية غير مرتبطة باعتبارات سياسية وأخلاقية بقدر الاعتبارات الاقتصادية. البلد تحكمه الآن أوليغارشيا تملك حسابات بنكية في الخارج".
من جهته، رأى رئيس حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة، عبد الرزاق مقري، أن الكارتل المالي نجح في التأثير على صناعة القرار السياسي والاقتصادي عبر السياقات التي يطرح فيها قانون الموازنة لسنة 2017، الذي هو قيد المناقشة في البرلمان. واعتبر أن الكارتل المالي بصدد وضع الأدوات القانونية التي تتيح له السيطرة على مقدّرات البلاد، وفقاً لما تضمنه قانون الموازنة الجديد، لافتاً إلى أن هذا القانون "أسس لنظام اقتصادي جديد، ليس النظام الذي ينفع عموم الجزائريين ويحقق تنمية اقتصادية حقيقية ودائمة، ولكنه نظام اقتصادي رأسمالي متوحش تتحكّم فيه فئة قليلة من رجال الأعمال يضمنون التوازنات الكبرى، فيما يُرمى أغلب الشعب الجزائري للفقر والعوز".
وأضاف مقري: "مهّد قانون المالية لسنة 2016 الطريق لتحكم اللوبيات المالية الداخلية والخارجية للانقضاض على الاقتصاد الوطني، وجاء قانون المالية 2017 ليجبر الجزائريين على التأقلم مع النظام الاقتصادي الرأسمالي غير الشعبي الجديد"، مشيراً إلى أن "النظام الاقتصادي الذي بشّر به رئيس الحكومة هو نظام مستورد من جهات تريد تحويلنا إلى حلقة من حلقات الرأسمالية العالمية الظالمة للإنسان والبيئة التي يسيطر فيها رجال الأعمال على الدول، وتكون فيها الدولة لصالح فئة قليلة من رجال الأعمال تنهار تحت جشعهم فئة الطبقة الوسطى الضامنة للاستقرار والإبداع وينتشر فيها الفقر، وتعمل فيها الأجهزة الإعلامية والأمنية، التي يسيطر عليها حينئذ المال، على ترويض الجماهير حتى تقبل مصيرها".


لكن المخاوف من تمدد الكارتل المالي وإمساكه بطرف الخيط في المشهد السياسي وتدخّله في صناعة القرار، لم تُعلن على لسان قيادات قوى المعارضة فحسب، فشخصيات مسؤولة في هرم الدولة الجزائرية باتت تُعبّر عن المخاوف نفسها. فقد أطلق رئيس ديوان الرئاسة أحمد أويحيى، تحذيرات شديدة ممن وصفهم بـ"أصحاب المال القذر المكتسب عن طريق الغش بمختلف أشكاله ومن المتاجرة بالمخدرات، وكذلك من الآفات الأخرى التي تعاني منها الجزائر". وهاجم أويحيى، الذي يشغل منصب الأمين العام لحزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، "أصحاب المال القذر" والمتدخّلين في الشأن السياسي، وخصوصاً أولئك الذين يحملون جنسيات مزدوجة جزائرية وغربية. وقال: "هناك جزائريون يكدّسون ثروات مكتسبة بطرق بعيدة عن الحلال، ليقوموا بتحويلها إلى الخارج، أولئك الجزائريون مزدوجو الجنسية المقيمون في الجزائر الساعون إلى تخريب البلاد بأفعالهم". لكن مخاوف أويحيى لم تتوقف عند التحذير من مخاطر الكارتل المالي، إذ دعا إلى صحوة شعبية ضد هذا الكارتل، مناشداً "ما يقارب الأربعين مليون جزائري، الذين لا وطن بديل لهم غير الجزائر، التحلي باليقظة من أجل حماية الجزائر من مكائد أولئك المرتزقة المحليين الذين حضّروا لأنفسهم ملاجئ خلفية خارج الوطن".
كما هدد الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني"، الذي يحوز على الأغلبية في الحكومة والبرلمان، جمال ولد عباس، بكشف من وصفهم "صحاب الشكارة" (أصحاب المال)، "الذين يستعملون الأموال في العمل السياسي عبر شراء الذمم عند الترشح في الانتخابات".
لكن هذه التصريحات تبدو بالنسبة لكثيرين متأخرة جداً، سواء بالنسبة للحزب الحاكم أو غيره، مع نجاح الكارتل المالي في تحقيق اختراق كبير لهرم أحزاب السلطة. فقد استطاع رجلا الأعمال، محمد جميعي وبهاء الدين طليبة، من الحصول على العضوية في الهيئة القيادية لحزب "جبهة التحرير الوطني" والحصول على منصب نائب رئيس البرلمان، على الرغم من عدم صلتهما النضالية السابقة بالحزب، فيما تمكّن عبد السلام بوشوارب، وهو رجل أعمال وصناعي، من تبوّء منصب قيادي في الحزب الثاني للسلطة في الجزائر (التجمع الوطني الديمقراطي)، والحصول على منصب وزير الصناعة والمناجم. كما حاز رئيس تجمّع لرجال الأعمال، حبيب يوسفي، على العضوية في الهيئة القيادية في الحزب الثالث للسلطة (تجمع أمل الجزائر).
قبل أشهر، أعلنت الأمينة العامة لحزب "العمال" اليساري، لويزة حنون، عن تهديدات وصلتها من المافيا المالية بسبب كشفها تحالفات بين هذه المافيا ودوائر سياسية في السلطة. وكانت حنون قد شنّت حملة كبيرة ضد "المافيا المالية" التي بدأت تسيطر على الأحزاب السياسية الموالية للسلطة وتؤثر في صياغة القوانين ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي في البلاد، بما يخدم مصالحها، بما فيها قانون الاستثمار الجديد الذي تضمّن تنازلات كبيرة لصالح رجال المال عن العقارات والأراضي. بعد ذلك بأشهر، أعلن وزير التجارة، بختي بلعايب، عن تعرضه لضغوطات من قبل "المافيا المالية"، وصلت حد منعه "من تنفيذ قرار إغلاق محل للبيتزا". وكان ذلك مؤشراً على بلوغ يد المافيا عمق الكيان الإداري للدولة، فيما كان واضحاً أن العمق السياسي بات أيضاً في رصيد الكارتل المالي، إذ ساهمت العلاقات الوطيدة بين رئيس منتدى المؤسسات (تجمع لرجال الأعمال) علي حداد، الذي يملك قنوات تلفزيونية وصحف، مع سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، في تمكين الكارتل المالي من التحول إلى فاعل بارز في تقاطعات السلطة وصناعة القرار في الجزائر. وبات حداد، الذي ساهم في تمويل الحملات الانتخابية الرئاسية للرئيس بوتفليقة، دائم الحضور والمشاركة في المحافل الرسمية في الجزائر، كان آخرها إلقاؤه خطاباً في اجتماع الحكومة مع حكام الولايات الـ48 في الجزائر، ودخوله سابقاً في سجال سياسي مع قادة أحزاب سياسية، وهو ما دفع مراقبين إلى طرح أسئلة كثيرة حول حقيقة الدور الذي بات يقوم به الكارتل المالي في المشهد السياسي في البلاد، خصوصاً في أفق أزمة سياسية واقتصادية خانقة.