الكاراتيه القاتل

16 سبتمبر 2020
الصورة
(جيوفاني مَرتوتشي)

أنا أراقبهم، هؤلاء الآباء الذين يأتون لاصطحاب أبنائهم من دروس الكاراتيه التي أُشرف عليها، ويجعلونني أشعر بألم كبير، بل بغضب شديدٍ للصراحة.

جو، يقولون لي، كيف حال صغيري؟

هل بمقدوره الوصول إلى الحزام الأسود برأيك؟

في الواقع هم يسألونني، دون أن يملكوا الشجاعة لقول ذلك:

هل يضرب جيّداً؟

يضرب بقوّة؟

هل هو رخو؟

هل يتلقّى الضربات أم هو من يسدّدها؟

يراودهم شعور بالفخر، بالنصر، عندما يتفوّق أطفال لا يزال المخاط عالقاً في أنوفهم، أعمارهم تتراوح بين ستّ وسبع سنوات على أقرانهم، وأعلم - دون أن أُخبرهم بالطبع - أنه وفي تلك اللحظة، من يستسلم لديه فرص أكبر للنجاح من ذاك الطفل الذي فاز للتو في النِّزال ليعود بعدها إلى المنزل مع أباء على شاكلتهم.

ذلك أنَّ أكبر مصيبة يمكن أن تحلّ على الإنسان، منذ الأزل، مذ وُجد على ظهر البسيطة، ليست هي أن يولد، ولا حتى أن يعاني أو يموت.

لا، أبدًا. أكبر مصيبة يمكن أن تقع على رأس الكائن البشري هي أن يولد لآباء حمقى.

لأن الآباء الحمقى ـ ما لم يموتوا مبكّرًا لينتظم بعد ذلك كلُّ شيء ـ سيرافقونك خلال السنوات الدقيقة التي تكون فيها عجينة مرنة قابلة للتشكيل ومعها رائحة أنفاسهم الكريهة عندما تغدو مراهقًا، وبعدها أيضًا كشخص بالغ، عندما تتعيَّن عليك رعايتهم وهم في سنّ متقدّمة، متدهورين والريق يشطّ من أفواههم في حالة عته واضحة، علاوة على كونهم بالأساس حمقى. 

وهكذا وقبل أن أقبل بالطفل في دوراتي، أقوم بإجراء مقابلة خاصّة معمّقة مع الوالدين: بعض الأسئلة البسيطة تُمكنّني من الإحاطة بالوضع على الفور.

ما هي الخيانة التي تنمّ عن احترام ويمكن أن تغفرها؟

بعدها، يؤسفني ذلك قليلًا، لكنّني أقوم بمعاقبة الأطفال ذوي الآباء الحمقى، دائمًا وأبدًا، لأن هذا ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، لا بُدّ من أن نقيم نوعًا من العدالة في هذا العالم الحقير، لا وجود لأيّ أمل في غير ذلك، هو أمر مكتوب أيضًا، الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون، وبالتالي مصير هؤلاء الأطفال هو أن يصبحوا دون هوادة أو تمنّع كآبائهم: حمقى! 

الصورة
(جيوفاني مَرتوتشي)
(جيوفاني مَرتوتشي)

ما يمكنني أنا القيام به، بالطبع على طريقتي، هو أن أجعل من هؤلاء الأطفال على الأقلّ حمقى دون القدرة على ممارسة الكاراتيه، لأنه سيكون أمرًا مثيرًا للسخرية، بل عملًا لا أخلاقيًا يضرب صميم نبل وجمال هذه الرياضة التي أُعلّم، تنشئة أطفال حمقى وجعلهم علاوة على ذلك أبطال كاراتيه.

فليجدوا لهؤلاء المناكيد أساليب أخرى ينفّسون بها عن أرواحهم، ليست هذه هي نهاية العالم، بل يمكن أن تكون فرصة لهؤلاء الأشقياء ليكبروا ويختبروا شيئًا من خيبات الأمل ومحن الحياة الأولى وما يعنيه ذلك من انسداد للآفاق. "عندما ترتفع الأمواج، فإن القارب يرتفع أيضا". كتاب الساموراي. الآية: 116.

خُذ على سبيل المثال حقيقة أن والدي، بسبب نقص المال، لم يتمكّن من جعلي أتابع الدراسة وأجبرني على البحث عن عملٍ في المصنع في سن مبكّرة جدًا، وقد كان ذلك من حُسن حظي، لأنه وبفضل المال الذي كسبتُه، تمكّنتُ من تسديد ثمن دورات الكاراتيه المسائية بنفسي. بالطبع، شعرتُ بخيبة أملٍ صغيرة عندما اكتشفنا بعد وفاته أنه بدّد كل مدّخرات العائلة في يوم واحد في الكازينو، وأنه على الرغم من حقيقة أنّني وأُمّي كنّا نفعل كل ما في وسعنا، كل يوم لنصل إلى نهاية الشهر، وجد هو طريقة ليشتري فيها لنفسه مكانًا من الدرجة الأولى في المقبرة سرّاً.

قبل أن يشنق نفسه في المرأب أمام كلبنا.


(وقفة)

أنا أعاقبهم، هؤلاء الأطفال، بطريقة لا يمكن لأحد ملاحظتها، حتى لا تُكتشف الحيلة وينتهي كل شيء، بما في ذلك حياتي المهنية التي لا تشوبها شائبة كمدرب للكاراتيه.

أخرّبهم على نحو مرهف جدًّا.

أكبر مصيبة هي أن يولد الكائن البشري لآباء حمقى

آه، إذا كنتَ أنت من نوعية الآباء الذين أتحدّث عنهم، وأنا متأكّد من وجود بعضهم هنا، فالمسألة حسابية، إذ تُقدَّر نسبتهم المئوية (بحسبي) بحوالي 74 ٪ من الإجمالي العام للآباء - لقد نما عددهم بشكل كبير في السنوات الأخيرة، قبل عشر سنوات لم تكن النسبة تتجاوز 58 ٪ - إن كنتَ أحد الآباء الحمقى الذين أتحدّث عنهم، فلن تلاحظ أي شيء.

الصورة
(الكاتب)
(الكاتب)

لا أستطيع أن أكشف لكم الكثير عن طريقتي، ولكن يمكنني أن أؤكّد لكم أنَّ لديَّ طريقة مضمونة، وأجزم أنها معصومة. 

في الحقيقة، لدي أكثر من طريقة غير تربوية تختلف باختلاف الشخص.

إذ يجب أن تضعوا في الاعتبار أن الجمع بين طفل شقي ووالد أحمق قد يتطلّب تطبيق أكثر من طريقة غير تربوية مثبّطة للعزيمة في كل مرّة، وما يترتّب عن ذلك من التزام كبير بإدارة كلّ شيء بشكل مثالي وتمييز الاستراتيجيات على نحو أفضل دون أن تنكشف. 

لا يوجد طفل لأيّ أب أحمق أتى إليّ وتمكّن من شقّ طريقه في الكاراتيه.

ولا أحد!

ببساطة، مجرّد جرعة خاطئة من الصعوبات في التدريب الرياضي وتنتهي اللعبة بسرعة.

من المهم بمكان فهم نقطة الضعف على المستوى الجسدي أو السلوكي للصغير والتركيز عليها باستمرار، من خلال تدريب موجَّه وشخصي يعمل دائمًا وفقط على تضخيم نقطة الضعف على نحو مبالغ فيه، وإهمال التدريب على نقاط القوّة، وهذا انتبهوا، يجب أن يتمّ على الصعيد الجسدي والنفسي والسلوكي، وأُكرّر أنَّ هذه الخطوة مهمّة، سواء على المستوى الجسدي أو على المستوى النفسي والسلوكي، ليصبح الفشل بعد ذلك (والذي هو نجاحي) مضمونًا.

بالنسبة للبعض، قد يكفي القيام بأنشطة أو تمارين لا طائل منها، تتكرّر إلى ما لا نهاية. وللبعض الآخر، قد يكون كافيًا عدم الإصغاء لهم عندما يكون لديهم ما يقولونه. ببساطة تجاهلهم على نحو ممنهج.


(وقفة) 

لتأتي أنتِ ذات يوم.

بل لتعودي.

لم نر بعضنا البعض منذ ثماني سنوات، منذ أخبرتني أنكِ قمتِ بخيانتي.

وأنت تعرفين جيّدًا أنني لم أكن لأسامحك أبدًا بعد اعترافٍ كهذا.

لم أتمكّن من ذلك، لأنك خنتني دون احترام.

لكنّك كنتِ تكرّرين دومًا:

"وما هي الخيانة التي تنمّ عن احترام؟ ما نوع الخيانة التي قد تغفرها أنت؟".

ولا أيَّ خيانة، هذا صحيح، لكن أنا لم أخنكِ أبدًا، لأنني أعرف كيف أكبح رغباتي، فحتى أنا أعترف أنني في الماضي، قد مرّت عليّ بعض الأفكار الخارجة التي كان من شأنها أن تُبعدني عنك.

لكنني كبحتُ نفسي. 

أنتِ في المقابل لم تفعلي ذلك. 

كان بإمكانكِ الاختيار واخترتِ.

ما زلت أذكر ذاك المساء عندما حاولتِ وأنت بملابس النوم أن تمنعيني من مغادرة المنزل بالوقوف أمام الباب مفرودة الذراعين.

وددتُ لو عانقتك في تلك اللحظة، صدّقيني، لا يمكنك حتى تخيُّل كم كنت أود أن أقول لك: دعينا نتجاوز هذه اللحظة العصيبة معًا، دعينا نحاول. 

لكنني لم أستطع.

لم أعُد أرغب في رؤيتك بعدها، وأنتِ احترمت إرادتي، وهذا ما حصل إلى غاية اليوم الذي ظهرتِ في صالة الألعاب الرياضية، في صالتي، مع شَقِيٍّ متشبّث بقوّة بيدك، ينظر إليَّ بعينَين خائفتين مرعوبتين. 

فهمت على الفور أنه الطفل الذي أنجبتِه من ذلك الأحمق الذي خُنتني معه. 

أي شجاعة أتت بكِ عندي مع هذا الملعون لتسجيله في دروسي؟! مع أنك كنت تعرفين كلّ شيء حتى في حينها عن الطُرق غير التربوية التي أمارسها مع أبناء الحمقى وقد كنت أُسِرُّ لك بها، وأنتِ كنتِ تؤيّدينني! 

كنتِ، يا إلهي، تؤيدينني، وقد كنّا نستمتع معًا بالتفكير في إيجاد طُرق أخرى جديدة أكثر تعقيدًا وفعالية. 

من باب الاحتياط، كنّا نقول إنه ومع الوقت لا أحد يمكن أن يعرف ما الذي قد يحصل. 

وهكذا سألتكِ بعيون تستشيط غضبًا وصوت مرتعش: لماذا أتيتِ عندي هنا الآن؟

أنت تعلمين ما الذي سأفعله بهذا الطفل؟ 


(وقفة قصيرة)

أنتِ: 

"هذا ابنك أيها الأحمق".

(ظلام).


* Giovanni Martucci كاتب ومسرحي إيطالي من مواليد تارانتو عام 1969 صدر له هذا العام: "كلّكم إلى الجدار" و"أربعة مونولوغات للفوضى". "الكاراتيه القاتل" هو أحدها، وهو النص الفائز بالمرتبة الأولى للمهرجان الدولي للأدب "Sandomenichino - Marina di Massa" 2020، عن فرع المسرح. العرض الأول للعمل كان في 8 آذار/ مارس 2014 ضمن مهرجان UNO 4 بمسرح روميتو بفلورنسا.

** ترجمة عن الإيطالية: أمل بوشارب