القوة ومواقف الدول

05 اغسطس 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -

يطرح الاعتداء على غزة أسئلة كثيرة بشأن مواقف الدول من القضايا الكونية، وخصوصاً الإنسانية منها، ولم يعد خافياً أنه لا الديمقراطية ولا العروبة ولا الإسلام، ولا حتى الإنسانية في حدّ ذاتها، تعدّ أسباباً كافية للانتصار للقضايا العادلة.

الديمقراطية ليست شرطاً كافياً، ولن تكون، للانتصار للقضايا الإنسانية، ولو كان الأمر على غير ذلك، لتحرّكت أكبر الدول وأعرقها ديمقراطية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لوقف شلالات الدم في صفوف المدنيين في غزة، خصوصاً مع خروج الآلاف من شعوب هذه الدول في احتجاجات يومية، للتدخّل ووقف الاعتداء.

لكن، ومن ناحية أخرى، اتخذت دول حديثة الديمقراطية، مثل بوليفيا والأرجنتين والسلفادور والتشيلي والبيرو، مواقف قويّة، مبنية في جوهرها على احترام حق الإنسان في الحياة، فاستدعت سفراءها من تل أبيب، وأعلنت الكيان الصهيوني دولة إرهابية، ودعت إلى وقف التقتيل العبثي للفلسطينيين فوراً.

وفي إطار الديمقراطية نفسه، لم تعد العروبة ذاك الوعاء الذي يربط أعضاء جسد واحد، يفترض أن يتداعى كله، إذا اشتكى عضو واحد منه، فقد تحوّلت، العروبة، إلى مفردةٍ مبهمةٍ تحتاج إلى إعادة النظر، وربما إلى إعادة التحليل الجيني لدماء بعض القادة العرب، بهدف التحقق من انتماءاتهم الحقيقية.

فمن ناحيةٍ، نجد بأن دولة قطر سعت، وتسعى، منذ الدقيقة الأولى للعدوان، إلى وقفه، ولم تتوان عن تقديم كل الدعم المالي والسياسي للفلسطينيين. ومن ناحية أخرى، نجد أن دولاً عربية أخرى شاركت ميدانياً في جريمة قتل أهل غزة، بينما مصر عبد الفتاح السيسي أحكمت إغلاق المعابر وهدمت الأنفاق، ودولاً أخرى ساهمت وتساهم بالمال والعتاد، حتى تتمكن الصهيونية من نزع سلاح المقاومة والقضاء عليها، مهما كلّف ذلك من دماء الأبرياء.

وأما فيما يخصّ الإسلام، في نسخته الحالية التي تتبناها الدول، فلم يكن قادراً حتى على جميع الدول التي تعتبر نفسها إسلامية، وتنضوي تحت ما يسمى منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، حينما اعتدت طالبان على تمثال بوذا في أفغانستان، ولم تحرّك ساكناً، ولم تجتمع حتى، ودماء أطفال غزة ونسائها تسكب في كلّ دقيقة، ولم تصدر، ولو بياناً واحداً باسم المنظمة، أو باسم دولةٍ من دولها بطريقة منفردة.

وعلى الرغم من أن قضية الاعتداء على غزة تحمل في معانيها جوهر كلّ الحقوق الإنسانية التي لا خلاف عليها، فشعب يطالب بكسر الحصار، لكي يعيش ويتنفس ويتداوى ويتنقل، يفترض دعمه، لا المساهمة في قتله بالصمت المريب.

وهو ما يطرح سؤالاً كبيراً يحتاج إجابة صغيرة، هل هناك اتفاق دولي، عربي إسلامي وإنساني للقضاء على المقاومة، وتمكين الكيان الصهيوني من العيش بهناء، والتمدّد، أيضاً، على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، والجواب على هذا السؤال بالإيجاب لم يعد خافياً.

وفي الأخير، ستتبدّل كل المعطيات لمصلحة المقاومة، حينما تثبت قوّتها، بصمودها في الميدان، والاستمرار بإطلاق صواريخ الكرامة، لأنّ القوّة هي المنطق الوحيد الذي يؤدّي إلى إعادة التوازنات، وتحويل وجهات نظر الدول من مصلحة هذا النقيض إلى ذاك.

محجوب قاهري
محجوب قاهري
محجوب أحمد قاهري
طبيب وناشط في المجتمع المدني، يكتب المقالات في عدد من المواقع في محاولة لصناعة محتوى جاد ورصين.
محجوب أحمد قاهري