القصف الإسرائيلي لسورية و"صدفة" التزامن مع زيارات نتنياهو لروسيا

09 فبراير 2018
الصورة
يتّبع نتنياهو تكتيكاً واضحاً لضمان صمت روسيا (فرانس برس)
تعدّ الغارات التي استهدفت، أول أمس الأربعاء، أحد المرافق العسكرية في محيط العاصمة السورية دمشق، من أكثر الغارات "جدية"، كما وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، وذلك في إشارة إلى طابع الأهداف التي طاولتها والنتائج التي ترتّبت عن القصف. وقد يكون لافتاً أنّ هذه الغارات جاءت بعد الزيارة السابعة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى موسكو، ولقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وهذا ما حدث بعد الاجتماع قبل الأخير الذي جمع نتنياهو وبوتين في 23 أغسطس/آب من العام الماضي، إذ قام سلاح الطيران الإسرائيلي بعد الاجتماع وللمرة الأولى، باستهداف ما وصف في حينه بأنه "قاعدة إيرانية" كبيرة في محيط دمشق. وبعد ستة أيام على اللقاء الذي جمع بوتين ونتنياهو في 11 مارس/آذار الماضي، شنّت إسرائيل سلسلة غارات على أهداف عدة في سورية. من هنا، فقد بدت اللقاءات التي يعقدها نتنياهو على عجل مع بوتين وكأنها بمثابة مناسبة للحصول على ضوء أخضر لمهاجمة المزيد من الأهداف الكبيرة في العمق السوري.

ويتّبع نتنياهو تكتيكاً دبلوماسياً واضحاً في محاولاته ضمان مواصلة روسيا صمتها عن الغارات التي يشنها سلاح الجو الإسرائيلي في العمق السوري، إذ إنه يحرص بشكل خاص على اصطحاب كل من رئيس الموساد، يوسي كوهين، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، هرتسي هليفي، إلى الاجتماعات، حيث يقوم كل منهما بعرض ما يدعيان أنها معلومات استخبارية "حساسة" حول طابع أهداف إيران من تعاظم نفوذها في سورية، وأنماط تحرك طهران لتحقيقها. ويتّضح من تغطية الإعلام الإسرائيلي لوقائع اللقاءات الكثيرة التي عقدها نتنياهو وبوتين أن الإيجازات التي يقدّمها قادة الاستخبارات الإسرائيليون، تترك انطباعات عميقة على بوتين.


وهناك ما يدل على أن زيارات نتنياهو الكثيرة إلى موسكو، لم تفلح فقط في تأمين ضوء أخضر لتل أبيب لمواصلة هجماتها في سورية ومنحها هامش مناورة مطلقا لتحقيق ما تعتبره خارطة مصالحها، بل ربما أفضت إلى منح إسرائيل، بشكل غير مباشر، محفزات لمواصلة عملياتها هناك. وكما كشفت صحيفة "معاريف"، في عددها الصادر أمس، فإن مستشار الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، الذي زار تل أبيب أخيراً بعيد زيارة نتنياهو لموسكو، قد قدّم بشكل غير مباشر تطمينات لإسرائيل بأنه ليس في قدرة نظام بشار الأسد الرد على الهجمات الإسرائيلية، وأن هذا النظام يخشى تبعات أية مواجهة مع تل أبيب. ومن الواضح أن تقديم هذه التطمينات يعني الإيضاح لإسرائيل بأنه بإمكانها مواصلة نسق عملياتها الحالي في سورية بدون مخاوف من تبعات ذلك.

لكن من الواضح أن إسرائيل لم تتمكّن من الحصول على الضوء الأخضر الصامت من موسكو لمواصلة عملياتها في سورية فقط بسبب الجهود الدبلوماسية لنتنياهو أو بفضل الانطباعات التي تركتها المعلومات التي يقدمها قادة الاستخبارات الإسرائيليون لبوتين، بل أيضاً نتاج عدم تردد إسرائيل في إطلاق تهديدات مبطنة بأن أي تشويش روسي على عملياتها في سورية يمكن أن يفضي إلى تهديد الإنجازات التي حققتها موسكو في هذه البلاد، لا سيما إنقاذ نظام الأسد من السقوط وضمان استقراره.

ومما لا شك فيه أن التطمينات غير المباشرة التي تقدمها موسكو لإسرائيل هي التي تجعل إسرائيل تستثمر بشكل كبير في جمع المعلومات الاستخبارية داخل سورية، لتتمكّن من ضرب قوافل ومخازن السلاح التابعة لـ"حزب الله" داخل الأراضي السورية، وتجنّب الانتظار حتى يتمكّن الحزب من نقلها إلى لبنان.

وتنطلق تل أبيب من افتراض مفاده أن "حزب الله" الذي يغضّ الطرف عن الغارات التي تطاول أهدافه في سورية، لن يتردد في الرد في حال تم ضرب هذه الأهداف على الأرض اللبنانية. من هنا، فإنه بخلاف مزاعم قادة تل أبيب التي عمد المعلقون الإسرائيليون إلى ترويجها أخيراً، فإن إسرائيل لا تتعامل مع لبنان وسورية كجبهة واحدة، إذ من الواضح أن الإسرائيليين يَعون أنّ العمل العسكري في كل جبهة من هاتين الجبهتين له قواعده الخاصة.