القدس بين التهويد والتسريب

29 ديسمبر 2018
الصورة
تسريب العقارات المعركة مستمرة بين المقدسيين والاحتلال (عصام ريماوي/الأناضول)
لم تغب عين الاحتلال الإسرائيلي عن القدس طيلة سنوات الصراع العربي الإسرائيلي ولم يشغلها عنها أي شاغل، وقد وضعت القدس على أولويات فكر الحركة الصهيونية منذ انطلاق جهودها الهادفة إلى إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ففي العام 1897 صرح هرتسل قائلًا: "إذا حصلنا يومًا على القدس، وكنت لا أزال حيًا وقادرًا على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسًا لدى اليهود فيها، وسأدمر الآثار التي مرت عليها القرون"، وبذات المنطق صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 2018 قائلًا "جبل الهيكل بأيدينا" منتشيًا بلذة الانتصار في كلمته التي ألقاها خلال حفل افتتاح مقر السفارة الأميركية في القدس.

تصاعدت في السنوات الأخيرة الهجمة الإسرائيلية على القدس بشكل جنوني وخصوصًا بعد ما حظيت به من دعم من الإدارة الأميركية، وأوغلت في تهويدها للمدينة وتغيير الحقائق على الأرض واستبدال وجهها العربي الفلسطيني بآخر يهودي توراتي من خلال تغيير أسماء الشوارع والحارات والبلدات العربية بأسماء عبرية وتوراتية، وتغيير معالم الأماكن المقدسة والأثرية في القدس لتحقيق الحلم الإسرائيلي في جعل القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي، وتعمل دولة الاحتلال بجهود حثيثة على إحكام السيطرة الكاملة على شرق القدس، وتصفية الوجود العربي فيها جغرافيًا وتاريخيا وديمغرافيًا، وتمهد من خلال سياستها الاحتلالية الطريق أمام تنفيذ مخطط القدس الكبرى الذي سيصل مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة والذي من أجله أقدم الاحتلال على محاولة هدم الخان الأحمر وتهجير أهله منه، ولم تسلم المقدسات المسيحية في القدس المحتلة من بطش الاحتلال وهمجيته، فقد استهدفت هي أيضًا وسُجلت أكثر من واقعة منظمة ومخططٌ لها للاعتداء على أملاك الكنائس المسيحة في القدس ومرافقها وعلى معالم أثرية مسيحية فيها، وتقع كذلك المؤسسات الدولية تحت طائلة الاستهداف الإسرائيلي، فقد كشفت بلدية الاحتلال في القدس عن مخطط لها يقضي بطرد الأونروا من القدس وإغلاق 7 مدارس وعيادات لها في المدينة، ذلك بعد قرار ترامب وقف الدعم الأميركي للأونروا.

مع تراجع وتيرة العمليات الفدائية الفلسطينية شرَّع الاحتلال الإسرائيلي باب اقتحامات المسجد الأقصى أمام مستوطنيه لتصبح بشكل شبه يومي، وبقرار من رئيس حكومة الاحتلال سُمح لأعضاء الكنيست والحكومة باستئناف الاقتحامات السياسية لكن ضمن ضوابط أمنية على أن تتم بعد التنسيق مع قائد حرس الكنيست، وتضاعفت أعداد المقتحمين بجهود منظمات المعبد التي تعمل بدعم وحماية القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية حيث تجاوز عدد المقتحمين للمسجد في "عيد الفصح اليهودي" الماضي عتبة 3000 مقتحم، وقد سمح الاحتلال وبحماية الشرطة الإسرائيلية للمستوطنين بأداء الصلوات التلمودية في مقبرة باب الرحمة التي شهدت في الآونة الأخيرة عمليات تجريف وهدم لقبورها ومعالمها الإسلامية، وتمهيدًا للتقسيم المكاني للأقصى يمنع الاحتلال الإسرائيلي المسلمين من التواجد في المسجد بالتزامن مع اقتحامات المستوطنين، ويقوم بملاحقة الفلسطينيين المرابطين في الأقصى وإجبارهم على الابتعاد عن المقتحمين وتعريضهم لحملات اعتقال واعتداء وإبعاد عن المسجد لفترات متفاوتة، كما ويفرض قيودا عدة وتعليمات تعجيزية على عمل حراس الأقصى.

يحاول الاحتلال أن يرسخ نفسه كمرجعية وحيدة للأقصى مع التنكر لأي طرف فلسطيني أو عربي، عبر تدخله في شؤون المسجد بدءًا من الاعتداء على موظفي المسجد، مرورًا بمنع إجراء أي ترميم فيه إلا بإذنه، ووصولًا إلى إجباره دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس على التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية للنظر في قضايا تخص المسجد كما حصل في قضية قرار الاحتلال إغلاق مبنى باب الرحمة داخل الأقصى نهائيًا بذريعة مكافحة الإرهاب، في حين أنه يعرقل مشاريع العمارة والترميم في المسجد الأقصى حيث كشفت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن شرطة الاحتلال ترفض إدخال المواد الضرورية لنحو 20 مشروع ترميم للمسجد، ومن أبرز هذه المشاريع منع تبليط ساحات المسجد والمصاطب، ومنع إزالة أكوام الأتربة من المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى استمرار عرقلة إصلاح البنية التحتية التالفة من كهرباء ومياه وشبكة اتصالات أرضية، أو تنفيذ إنشاء نظام إنذار وإطفاء في المسجد، ومشاريع زراعية لتجميل ساحات الأقصى.

وظف الاحتلال الإسرائيلي جل طاقته وامكاناته من أساليب وصلاحيات وإجراءات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية وأمنية وعسكرية محاولًا الوصول لإخضاع المدينة وأسرلة سكانها وطمس هويتهم الوطنية الفلسطينية، وتصميمه لبرامج عدائية مختلفة الجوانب تستهدف التأثير على عقولهم ونفوسهم، ليصيبهم الوهن والإحباط والتفكك والاضطراب، ولشدّ الخناق أكثر على المقدسيين في المدينة المحتلة يُسارع الاحتلال إلى مصادرة بيوتهم وهدمها تحت حجج واهية ومفضوحة، ويمنعهم من صيانتها أو إجراء تحسينات عليها، وإمعانًا في مضايقتهم قامت بلدية الاحتلال بالتعاون مع الشرطة بتركيب نحو 500 كاميرا مراقبة في أنحاء مختلفة من مدينة القدس، ناهيك عن التضيق الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة في اوساطهم وتدني خدمات التعليم والاعتقال والطرد وسحب الهويات الشخصية بشكل تعسفي بغيض، إلا أنه وبالرغم من هذا كله يقف المقدسيون كخط دفاع أول في وجه الإجراءات التهويدية للمدينة ويعملون كل ما بوسعهم لإرباك مخططات الاحتلال، ورفضهم المتجدد لعمليات تسريب العقارات إلى المستوطنين، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في معاقبتهم لمسربي عقارات القدس إلى الاحتلال، عبر فرض المقاطعة الاجتماعية عليهم، ورفض دفنهم في مقابر القدس، ومنع الصلاة عليهم في الأقصى ومساجد القدس الأخرى.

تسريب العقارات يمثل معركة مستمرة بين المقدسيين والاحتلال الذي يمارس كافة أنواع التحايل والخداع على الفلسطينيين مستخدمًا أيادي عربية متواطئة ومنساقة لرغباته، فقد كشف الشيخ كمال الخطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن عمليات إماراتية مشبوهة لشراء بيوت وعقارات لفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة، ثم تسريبها للاحتلال الإسرائيلي.

وقال الخطيب في منشوره إن "رجل أعمال إماراتيا مقربا جدًا من محمد بن زايد يعمل على شراء بيوت وعقارات في البلدة القديمة، وخاصة البيوت الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، بمساعدة رجل أعمال مقدسي محسوب على محمد دحلان"، حيث تشتري الشركات الإماراتية العقارات والمنازل من الفلسطينيين وتحول ملكيتها إلى المستوطنين اليهود، وبحسب الخطيب، فإن "رجل الأعمال هذا عرض على أحد سكان القدس مبلغ 5 ملايين دولار لشراء بيت ملاصق للمسجد الأقصى، وعندما رفض العرض، وصل المبلغ إلى 20 مليون دولار لنفس البيت"، لكن المحاولة فشلت لأن "لعاب صاحب البيت الأصيل لم يسل على المال الدنس".

ووفقا للتقديرات، فإنه إذا استمرت عمليات تسريب البيوت الفلسطينية إلى المستوطنين، خلال الخمس سنوات القادمة، عبر البيع المباشر للإسرائيليين أو الوسطاء العرب، ستتحول أجزاء كبيرة من البلدة القديمة إلى مناطق يهودية السكن، مما سيدفع المجتمع ‌الدولي للقبول ‌والتسليم ‌بالأمر‌ الواقع ‌والإقرار بالأغلبية اليهودية ‌في‌ القدس وتشريع إجراءاتها الاستيطانية فيها.