القدس بعد أوسلو: تهويد واستيطان وغياب استراتيجية فلسطينية

14 سبتمبر 2014
الصورة
ضاعفت إسرائيل أعداد المستوطنين في القدس (الأناضول)
+ الخط -
لا يخفي مسؤولون فلسطينيون في القدس المحتلة، خيبة أملهم، مما أفضى إليه اتفاق أوسلو، وما تركته نتائجه الكارثية على مستقبل مدينة القدس، والتي كانت واحدة من أهم القضايا المؤجلة للتفاوض بين الجانبين. بعد 21 عاماً من توقيع هذا الاتفاق، باتت المدينة أقرب إلى التهويد والأسرلة بفعل سياسة الاستيطان وبناء الجدار وإغلاق المؤسسات الفلسطينية وفي مقدمتها "بيت الشرق"، في وقت أصبح فيه، المسجد الأقصى في عين العاصفة الإسرائيلية، بسبب ما يتهدده من محاولات للسيطرة عليه، من قبل جماعات التطرف اليهودية الناشطة في مجال بناء الهيكل.

مثَل القرار بالنسبة لمنظمة التحرير، مرحلة انتقالية مؤقتة، بحسب ما يؤكد رئيس "دائرة شؤون القدس" فيها أحمد قريع (أبو علاء)، لـ"العربي الجديد"، مشيراً إلى وجود "نص صريح بالاتفاق، ألا تتجاوز هذه المرحلة خمس سنوات، وقد أمضينا آخر يوم من مفاوضات أوسلو ليلة كاملة من التفاوض، فإما أن يكون هناك اتفاق أو لا يكون، وفي النهاية وافق على هذه الاتفاقيات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين".

لكن الأوضاع اختلفت تماماً، بعد 21 عاماً، وتحطمت أحلام الفلسطينيين، الذين اعتقدوا أن الاتفاق قرّبهم من قيام دولتهم.

وبحسب قريع، فإن الواقع اليوم يتمثل بوجود "حكومة مختلفة تماماً عن ما سبقها من حكومات (في إسرائيل). كما أن الأجواء العربية أيضاً كانت مختلفة، كذلك الوضع الفلسطيني الداخلي، فيعاني من الانقسام، وهذه كلها مؤشرات للجانب الفلسطيني، تجعلهم يدعون لمن نعطي؟ ومع من نتفاوض ونتفق؟".

وتبقى الدروس المستفادة، بعد هذه السنوات الطويلة من التفاوض، وفقاً لقريع، أن"إسرائيل غير مؤهلة بعد، لحل صراعها مع الفلسطينيين، وتنفيذ ما اتفقت معهم خلال المفاوضات، ومثال ذلك، الاتفاقيات الانتقالية المؤقتة في عام 1995".

ويضيف "هناك نص صريح واضح يمنع الطرفين من القيام بأعمال أحادية الجانب، لكن إسرائيل تجحف الآن في قضايا الحل الدائم، وتعتبر ذهابنا للأمم المتحدة عملاً أحادياً، بدون أن تسأل نفسها عن الاستيطان، وتهويد القدس وضمها، وكلها أعمال أحادية الجانب". يتساءل قريع عن "تحويل جميع المناطق (أ) و(ب) و(ج)، إلى السلطة الفلسطينية؟ وماذا أيضاً عن قضايا الوضع الدائم، أين هي من التنفيذ؟ حتى أبسط الأشياء، وهي العائدات المالية للسلطة من الضرائب يحتجزونها ويتحكمون بها، رغم أنهم يتقاضون ثلاثة في المئة منها، مقابل جبايتهم لها، أليس هذا عملاً أحادياً؟ إذن، كل شيء يمارسونه ليس عملاً أحادياً، وأي شيء نمارسه نحن هو أحادي الجانب".

ويوضح أن "الإسرائيليين دمروا بفعل إجراءاتهم على الأرض، أية إمكانية لحل الدولتين، لم يعد أمامنا إمكانية لقيام دولتنا، بعد أن مزقوا القدس بالتهويد وبناء المستوطنات، وبعض ما أقاموه من شبكات طرق التفافية، أفقدت دولتنا المنتظرة أي مقومات الاستقلال والسيادة، ووضعتها تحت الحماية الأمنية، لتخدم المصلحة الإسرائيلية العامة، وتخدم بالمقام الأول مصلحة المستوطنات".

نجحت إسرائيل في تغيير الخارطة الجغرافية للقدس المحتلة، وبعد مرور أكثر من عقدين على هذا الاتفاق، وفق الخبير المختص في شؤون القدس والاستيطان، خليل تفكجي.

فقد ضاعفت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على مدى العقدين الماضيين، أعداد المستوطنين في القدس الشرقية المحتلة، إلى أكثر من 300 ألف مستوطن، بعد أن كان عددهم لا يتجاوز مئة ألف.

كما شيّدت جداراً عنصرياً حول القدس، التي باتت عبارة عن معازل و"غيتوهات"، وأصبح أكثر من 120 ألفاً من سكانها، خارج حدودها البلدية، في حين قفزت المساحة الإجمالية من الأرض التي سيطر عليها الاحتلال، إلى أكثر من 36 في المئة، وحددت على نحو كبير المساحات المخصصة للبناء الفلسطيني، في مقابل بناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية، إذ يخطط الاحتلال حتى العام 2020 لبناء 58 ألف وحدة استيطانية، شيّد الجزء الأكبر منها، في العقدين الماضيين.

وفي موازاة تغيير الخارطة الجغرافية للقدس، تغيّرت أيضاً الخارطة الديمغرافية، إذ يواجه المقدسيون زحفاً ديمغرافياً هائلاً من المستوطنين، الذين جرى توطينهم في قلب الأحياء الفلسطينية في المدينة، لتقارب أعدادهم أعداد الفلسطينيين، الذين يواجهون مخططاً يستهدف اقتلاع أكثر من مئتي ألف منهم، بحسب ما يؤكد مدير "مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية"، زياد الحموري لـ"العربي الجديد".

ويوضح الحموري أن "120 ألف فلسطيني جرى اقتلاعهم، خارج جدار الفصل العنصري، فيما ارتفعت وتيرة سياسة التطهير العرقي بحقهم، وجرى خلال العقدين الماضيين، تجريد أكثر من 15 ألف مقدسي من حق الإقامة في القدس". وأشار إلى أن "سياسة الطرد الصامت للمقدسيين، بلغت ذروتها في العام 1995 أي بعد عامين فقط، من توقيع اتفاق أوسلو".

يضاف إلى ذلك أن سلطات الاحتلال الاسرائيلي، طبّقت سياسة اجتثاث وإغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس، خصوصاً بعد اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية، وفي مقدمة هذه المؤسسات "بيت الشرق"، وجرى تمديد أمر الإغلاق في شهر أغسطس/آب الماضي.

وقد وصل عدد المؤسسات المغلقة منذ أوسلو، إلى أكثر من 60 مؤسسة، وفق مركز "أبحاث الأراضي"، التابع لجمعية "الدراسات العربية" في القدس.

ويقول الباحث في مجال حقوق الإنسان، يعقوب عودة، لـ"العربي الجديد"، أن "الاحتلال ضرب بعرض الحائط ما تضمنه الاتفاق بشأن احترام عمل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها في القدس المحتلة، على ما ورد في تعهد وزير خارجية إسرائيل آنذاك شيمون بيريز إلى وزير خارجية النرويج، وبالتالي، بات أي نشاط فلسطيني في القدس، مطارداً وملاحقاً من قبل الاحتلال بذريعة وقوف السلطة الفلسطينية وراءه".

إزاء هذا الواقع، يشعر الفلسطينيون بألم مما يعتبرونه غياب استراتيجية وطنية فلسطينية حيال القدس، ودعم صمود مواطنيها، كما يقول مسؤول ملف القدس في حركة فتح حاتم عبد القادر، الذي كان قد استقال في وقت سابق، من منصبه كوزير للقدس في حكومة رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض.

وجاءت استقالة عبد القادر آنذاك، احتجاجاً على عدم تخصيص السلطة الفلسطينية والحكومة التي كان وزيراً فيها للموارد المالية الكافية، التي تحتاجها متطلبات الصمود في القدس، ودعم مواطنيها وتعزيز بقائهم في القدس.

ويصف عبد القادر، الإنفاق الفلسطيني في القدس بالهزيل جداً، في وقت تضخ فيه الحكومة الإسرائيلية سنوياً 1.4 مليار دولار، لبناء مزيد من المستوطنات في قلب القدس المحتلة، إضافة إلى أكثر من 20 مليون دولار تنفق على حراسة المستوطنين في أكثر من مئة بؤرة استيطانية في القدس القديمة، والأحياء المتاخمة لها.

في المقابل، لم يتعدّ إنفاق السلطة في العام 2012 مبلغ 6.4 مليون دولار، على جميع القطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية، في وقت يتهدد فيه الانهيار هذه القطاعات، وترزح مؤسسات فلسطينية كبرى تحت طائلة الديون بعشرات ملايين الدولارات.

وحذّر مسؤولون في الوقف الإسلامي في القدس، من الأخطار الكبيرة المحدقة بالمسجد الأقصى، بسبب ما تقوم به سلطات الاحتلال من حفريات، وبناء كنس أسفله وفي محيطه، وما يجري يومياً من اعتداءات.

ومنذ أكثر من عقدين، شهد الأقصى تطورات خطيرة، كان أبرزها وقوع المجزرة الأولى أوائل العام 1990، وسقط فيها 18 شهيداً ومئات الجرحى، لتتلوها منتصف العام 2000 مجزرة أخرى، بعد اقتحام وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون، ساحات المسجد ما تسبب باندلاع الانتفاضة الثانية، وكان سبقها بأربعة أعوام اندلاع أحداث نفق البراق، والتي قتل فيها العشرات من الفلسطينيين والإسرائيليين، في أعنف اشتباكات بين الجانبين منذ نشوء السلطة.

في السياق، يقول مدير عام "إدارة أوقاف القدس" الشيخ عزام الخطيب، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن "الوضع في الأقصى بات خطيراً، الانتهاكات والاعتداءات يومية، الجماعات المتطرفة باتت أكثر تغولاً، فيما شرطة الاحتلال تغض الطرف عن ممارساتها. نحن لن نفرط بمسؤولياتنا اتجاه المسجد الأقصى، الذي هو مسجد خالص للمسلمين وحدهم، وسندافع عنه".

وكشفت المواجهات الأخيرة، التي أعقبت استشهاد محمد أبو خضير، وأوقعت أعداداً كبيرة من الجرحى، واعتقل في أعقابها أكثر من 600 شاب وفتى مقدسي، عن انهيار آمال الفلسطينيين بالسلام، الذي وعدهم به القادة السياسيون.

ولا يخفي قادة الأمن الإسرائيلي، مشاعر القلق من تفجر انتفاضة ثالثة، ستنطلق هذه المرة من القدس، وربما يكون المسجد الأقصى عنوانها الجديد، إضافة إلى ما يواجهه المقدسيون من ملاحقات يومية، ومن حصار يفرض عليهم، ويقوّض حقوقهم في الأمن والاستقرار والسلام، الذي دُفن تحت أنقاض عشرات آلاف البيوت المدمرة في قطاع غزة.

المساهمون