القحط الصيني الوشيك

02 ديسمبر 2019
الصورة

(Getty)

+ الخط -
كان التحذير الأبرز من الجميع، قبيل زيارتي الأولى الصين أخيراً متعلقاً بالطعام: انتبهي، سوف تموتين جوعاً، ليس ثمّة ما يؤكل، أكلهم غريب عجيب، لن تستسيغي مذاقه المائل إلى الحلاوة، البعيد تماماً عن أطباقنا الشهية الغنية بالتوابل والبهارات الحريفة... وأكدوا أن ما يقدّم في الصين لا يشبه مذاق الأطباق المألوفة في المطاعم الصينية ذات الشعبية المنتشرة في بلادنا، والتي تراعي مزاجنا وتطوّع أطباقها بما يتلاءم وذائقتنا الصعب أن ترضى. نصحني بعضهم بالتزود ببعض مما خفّ وزنه من المأكولات الجافّة للاستعانة بها على القحط الصيني الوشيك! كما ظن أحدهم أنه يبث في قلبي الطمأنينة، حين أفاد بأن هناك كثيرا من مطاعم الأكل السريع، أميركي الهوية، المشبع بالدهون، مثل الهامبرغر والبيتزا والدجاج المقلي، ما قد يخفف من وطأة الجوع المتوقع. وقالت صديقة، بلهجة متيقنة، إن الصين آخر بلد تفكر في زيارته، لأسباب كثيرة، أهمها المسافة البعيدة والطعام غير الشهي. وأضافت أنها تفضل إنفاق نقودها في أي عاصمة أوروبية، حيث التاريخ العريق والطبيعة الجميلة والمتاحف والحدائق والأسواق والتنظيم والنظافة.
بهذه الحمولة من الأفكار غير المشرقة، وبكثير من التوجس، وطئت أرض بكين، عاصمة الصين. وقد بالغت في تناول الطعام في الطائرة التي لا أطيق طعامها في العادة، كونه يذكر بطعام المستشفيات، لأكتشف مقدار جهلنا وانصياعنا للصور النمطية التي كرّستها أدبيات الغرب عن واحد من أرقى شعوب الدنيا. لمست بدهشة تقاليد الضيافة العريقة ومدى الأصالة والكرم الذي نتوهم أنه حكر علينا. يتفانى الصيني في خدمة الضيف، والسهر على راحته إلى درجةٍ تبعث على الارتباك، ويصيبه الحرج إذا أخفق في تنفيذ أي طلب للضيف مهما كان صغيرا.
كنت وزميلة وزميلين في ضيافة واحدةٍ من أعرق الجامعات الصينية، حيث أقمنا في فندق بسيط وجميل. تجلى الكرم والحفاوة الاسثنائية في المآدب الرفيعة التي أقيمت على شرفنا، ابتداء من الطقوس العريقة المصاحبة التي تجعل من تناول وجبة رفقة الأصدقاء تجربة إنسانية رائعة. طاولة مستديرة توفر الإحساس بالحميمية تدور بين الحضور، محققة شرط العدالة في التوزيع، محملة بالأطباق الشهية، الحافلة بما جادت به الطبيعة من ألوان. أطباق صغيرة تواصل دورانها بين الحاضرين، تشبه لوحاتٍ متقنة الصنع، لشدة الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة. يعتبر الصيني وقت تناول الطعام الذي لا تقل فيه مدة الوجبة عن ثلاث ساعات مناسبةً تستحق الاحتفال، كونها توفر فرصة اللقاء والتواصل الإنساني الدافئ الحميم، بعد قضاء يوم عمل طويل، يبدأ في السادسة صباحاً، يكد فيها ويثابر ويقوم بمهامه على أكمل وجه، من باب تقديسه قيمة العمل. ولعمق وعيه بقيمته فرداً في مجتمعٍ يعيش نهضة حقيقية، جعلت بلاده التي عانت طويلاً في مصاف البلاد المتقدمة، وقد غزت منتجاتها بلاد الدنيا، وحققت نسباً متقدمة في النمو الاقتصادي.
تتميز شخصية الإنسان الصيني بالدماثة والتواضع واللطف والمحبة، ويبدي رغبة في مزيد من الانفتاح على ثقافات العالم، من خلال حركة الترجمة النشيطة في السنوات الأخيرة. ويحس الزائر بأهمية الثقافة في الصين من خلال رصد الإقبال على قراءة مختلف أشكال الأدب من رواية وشعر وقصة التي تشهد رواجاً كبيراً، وتباع منها مئات آلاف النسخ. كما يتذوق الفنون من موسيقى وفن تشكيلي ونحت، ولديه إدراك فطري لمواطن الجمال، وحب كبير للحياة، وتقدير لنعمها الكثيرة.
يختصر ذلك كله في مأدبة أعدّت بحب وبكثير من الاعتناء من أجل غرباء، قدموا من بلاد بعيدة، يسكنهم الفضول والرغبة في المعرفة المتخففة من الأحكام المسبقة والتنميط غير البريء.