القتل على المبادئ الدستورية الأميركية (2/2)

28 مايو 2020
ينجح فيلم (قتل جيد) في تصعيد التوتر الشخصي الذي يشعر به مسير الضربات الجوية عن بعد، ويربط ذلك التوتر بعدم رضاه عن تفاصيل المهمات التي يقوم بها، وعدم ثقته في المعلومات الاستخباراتية التي يتم القصف بناءً عليها، والتي تؤدي أحيانا إلى ارتكاب كوارث مثل قتل أطفال يمرون بالمكان الذي تم تفجيره بالصدفة، ومع الوقت يتضافر التوتر الذي يعيشه في حياته الشخصية، بإدراكه أن القتل الذي يقوم به من حين لآخر، قد يكون قتلاً جيداً من الناحية التقنية، لكنه ليس قتلاً جيداً من الناحية الأخلاقية أبداً، خصوصاً حين يجد نفسه مضطراً لقصف الجرحى، لمجرد تنفيذ أوامر استخباراتية تلقاها من رؤسائه، وبرغم إدراكه خطأ ذلك القرار، لكنه يظل مجبرا على تنفيذه.

يحاول الميجور المأزوم مغالبة تأنيب الضمير الذي يشعر به من دون جدوى، حتى أنه يذهب في مشهد عابر إلى المركز الإسلامي الموجود في مدينة قريبة، لكي يرى مواطنين مسلمين أمامه، كأنه يذكّر نفسه بأن من قام بقصفهم بشر مسالمون مثل هؤلاء الذين يعيشون بالقرب منه، ومع تصاعد أزمته الداخلية، خصوصاً حين تسيطر على تفكيره وقائع القتل التي ارتكبها له، والتي كان من بينها قيامه بتفجير منزل تعيش به عائلة أحد قادة طالبان، ثم تفجير جنازة العائلة من دون أدنى رحمة، يتخذ في نهاية المطاف، قراراً خطيراً على المستوى الشخصي، قد لا يغير به الكثير مما يجري، لكنه يحقق له انتصاراً شخصياً بسيطاً، إذ يصنع لنفسه ولو لمرة "قتلاً جيداً" بحق وحقيق، وينفذ رغبته المتزايدة في التمرد على النظام الذي يعمل في خدمته، حتى لو كان ذلك سيفضي به إلى خسارة كل شيء.


في فيلم (قتل جيد) ينجح الكاتب والمخرج النيوزيلندي الأصل أندرو نيكول في تطوير رسالته الفنية المناهضة للحرب، والتي كان قد عبر عنها بشكل مختلف، في فيلم سابق هو "سيد الحرب lord of War" من بطولة النجمين نيكولاس كيج وإيثان هوك، والذي قدم من خلاله صورة مقبضة لتجارة السلاح في العالم. ينجح أندرو نيكول أيضاً في (قتل جيد) في التعبير بشكل مختلف عن هَمّ أثير لديه، هو هَمّ علاقة التكنولوجيا بحياة البشر، والذي ستعرف أنه هم يشغله كثيراً، لو كنت قد شاهدت أفلامه السابقة، وعلى رأسها الفيلم العبقري (The Truman Show) الذي كتبه أندرو، وأخرجه المخرج الكبير بيتر وير، بعد أن رفض المنتج سكوت رودين إسناد مهمة الإخراج إليه، وكذلك أفلام ( Gattaca ـ In Time ـ Simone) التي كتبها أندرو وأخرجها، والتي تتنوع في موضوعاتها وطريقة معالجتها، لكن هَمّ التفكير في علاقة التكنولوجيا بالإنسان والتفكير في علاقة الإنسان بالزمن، يظل جامعاً بين كل هذه الأفلام الممتعة والمثيرة للاهتمام، ولذلك لن تستطيع وأنت تشاهد قيام بطل الفيلم بتوجيه الضربات المميتة من خلف شاشته، أن تطرد من ذهنك، صورة الممثل القدير إد هاريس في فيلم (ترومان شو)، وهو يقوم بالتحكم من خلال الشاشة أيضا، في حياة بطله المصنوع ترومان بوربانك (جيم كاري)، لكن ما يقوم به الميجور توماس إيجان هنا، ليس توجيهاً لسير الحياة، بل سعيا لإنهائها، كما أنه هذه المرة هو الذي يتمرد، وليس الذي يكافح التمرد، ولأن مساحة الحركة هنا أضيق بكثير من المساحة التي كانت متاحة مثلا في فيلم (سيد الحرب)، فإن أندرو نيكول يبرع في هذا التحدي، من خلال تصعيد الحدث الدرامي بشكل محسوب وذكي، مستعيناً بقدرات ممثليه البارعين، وعلى رأسهم ممثله المفضل إيثان هوك، والممثلتين جانيوري جونز التي لعبت دور الزوجة التي تعاني من تقلبات زوجها، وزوي كرافيتز التي لعبت دور الشريكة التي تشاركه هموم العمل التي لا تشعر بها زوجته أقرب الناس إليه، والتي كان يفترض أن يكون أسعد الناس بجمالها ومحبتها، لولا معاناة زوجها من خوائه الداخلي الذي يزداد كلما زاد القتل الدامي الأهوج الذي يمارسه ببراعة، من أجل حماية المبادئ الدستورية الأميركية السامية.

إذا وجدت نفسك عقب مشاهدة فيلم (قتل جيد) تسأل: لماذا يسمح الأميركان أصلاً بإنتاج فيلم يحكي عن الجرائم التي ترتكبها الضربات الجوية الموجهة عن بعد في مناطق متفرقة من العالم، ويقدمها في سياق يدينها ويكشف خطورتها وأخطاءها؟ وهل هناك تنسيق لإنتاج فيلم مثل هذا لتجميل وجه أميركا أو للتنفيس عن المشاعر الغاضبة؟ فأنت بالتأكيد لم تشاهد عدداً من الأفلام والبرامج التسجيلية التي ناقشت نفس الموضوع وبتفاصيل أشد خطورة، بل وقام بعضها مثل فيلم (Dirty Wars) بإظهار صور أحد كبار الجنرالات الأميركيين بوصفه مطلوباً للعدالة، بسبب تورطه في واقعة قتل جماعي في أفغانستان، ومع ذلك لم يتم منع الفيلم من العرض ولا تقديم صناعه للمحاكمة العسكرية بتهمة السعي لإسقاط أميركا وتحريض الإرهابيين عليها، بل وتم بدلا من ذلك ترشيح الفيلم للقائمة القصيرة في جائزة أوسكار أحسن فيلم تسجيلي، بدلا من تجاهله والتعتيم عليه، مع العلم أن مجرد وصول الفيلم إلى تلك القائمة يلفت الانتباه إليه ويزيد فرصه في الرواج والانتشار.

وإذا اخترت ألا تغرق في نظرية المؤامرة، وقررت ألا تنكر شجاعة فنانين قرروا اقتحام هذه المناطق الشائكة، بدلا من أن يسبحوا في نعيم "المين ستريم"، ويغازلوا رغبة الجمهور المتعطش للبحث عن البطولات كما فعل صناع فيلم "قناص أميركي" مثلاً، فربما كان ينبغي أن تسأل أسئلة أخرى أكثر تركيباً مثل "طيب إذا سلمنا بشجاعة هؤلاء الفنانين واستقلاليتهم، وأقررنا بوجود مساحة واسعة لحرية التعبير انتزعها نضال الفنانين والمثقفين الأميركان عبر السنين، فما الذي يغيره عرض أفلام من هذا النوع في حقيقة الأمر؟ هل سيتوقف بسببها "القتل الجيد" الذي تمارسه أميركا كل يوم من دون حسيب ولا رقيب؟ هل ستتم محاكمة الذين تورطوا في جرائم عبر الضربات الجوية المحمولة وغيرها من الجرائم التي تتحدث عنها الأفلام الروائية والوثائقية والتحقيقات الاستقصائية؟"، ومع أن الإجابة المثلى على أسئلة مثل هذه هو أن تغيير الواقع ليس دور الفن أو الصحافة أو الأدب، إلا أن واقع الأمر يكشف أن مثل هذه المجهودات سواء كانت من خلال أعمال سينمائية أو تلفزيونية أو صحفية أو أدبية، تلعب دورا شديد الأهمية في دفع الرأي العام لتحجيم هذه الجرائم، ولا أقول إنهاءها لأنها لن تنتهي بسهولة، فالتنوير الذي تقدمه هذه الأعمال، يكشف الكثير من الحقائق للرأي العام، وبحكم أننا نتحدث عن بلاد بها مجال سياسي مفتوح، وبها آليات للضغط على صناع القرار، يمكن أن يحدث ذلك الكثير من الأثر. ولذلك أيا كانت أوجه قصور هذه الأعمال أو ملاحظاتك عليها، فالمؤكد أن هذه الأعمال تتخطى دور التنوير إلى دور تحريض ضمير المواطن ودفعه إلى ألا يكتفي بالفرجة والأسى، وأن يتحرك للضغط على ممثليه النيابيين لكي يحاسبوا ويراقبوا ويتخذوا تحركا سريعا، ولذلك لا أستطيع أن أتجاهل دور الأعمال الفنية والصحفية والأدبية في السعي من أجل إصدار تقرير الكونجرس الأميركي الشهير، عن وسائل التعذيب غير القانونية التي استخدمتها المخابرات المركزية الأميركية، والذي لو لم تكن قد مهدت له تلك الأعمال الطريق، لما حظي بكل هذا الاهتمام الشعبي حين صدوره، وهو ما أتوقع أن تحدثه في المستقبل الأعمال المتزايدة التي تتحدث عن خطورة الضربات الجوية الموجهة عن بعد، ودورها في صناعة المزيد من الأعداء لأميركا عبر العالم.

طيب، هل لاحظت أنني احترمت العِشرة الطويلة التي بيننا، ولم أذكرك بأنك لو سألت كل هذه الأسئلة لمواطن أميركي، لقام بإحراجك وسألك: طيب، دعك من التساؤل والتشكيك الذي ترغب في طرحه حول دور الفن في بلادي، وقل لي ماذا عن بلادك أنت؟
تعليق: