القبائل السعودية المتمرّدة هدف لمحمد بن سلمان

02 أكتوبر 2018
الصورة
تنذر تصرّفات بن سلمان باختلال الصيغة التفاهمية مع القبائل(Getty)
+ الخط -
مثّلت الاعتقالات المتكررة التي يشنّها جهاز أمن الدولة التابع بشكل مباشر لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ضدّ شيوخ القبائل في المملكة، دلالة على سياسة جديدة للتعامل مع القبائل التي تشكّل غالبية سكان المملكة العربية السعودية، وكان لها الدور الأبرز في حملة توحيد البلاد مطلع القرن الماضي، ما قد يؤدي إلى اختلال سياسي جديد في البلاد التي تعاني من صعوبات سياسية وعسكرية واقتصادية. وضمن حملات الاعتقال التي شنّتها السلطات السعودية ضدّ "تيار الصحوة" أولاً في "حملة سبتمبر"، ومن ثمّ الأمراء ورجال الأعمال في "حملة ريتز كارلتون"، ولاحقاً الناشطين الحقوقيين والناشطات النسويات في "حملة رمضان"، اعتقلت السلطات السعودية أيضاً عدداً من شيوخ القبائل وأمرائها، وطاردت آخرين يعيشون في دول الخليج المجاورة.

وطاولت الاعتقالات في الفترة الأخيرة، شيوخ أكبر القبائل السعودية وهي: "مطير"، "عتيبة"، "شمر" و"عنزة"، إذ اعتقلت السلطات سعود الدويش، رئيس شركة الاتصالات السعودية، وأودعته سجن "الريتز" قبل أن تفرج عنه بعد إجراء تسوية مالية معه. ويعدّ الدويش الحفيد المباشر لفيصل الدويش، زعيم حركة "إخوان من طاع"، والتي انشقّت عن الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود، وقادت تمرّداً واسعاً في عشرينيات القرن الماضي. كما اعتقلت السلطات السعودية أحد أفراد أسرة آل حميد، وهي أسرة المشيخة في قبيلة "عتيبة".

وتعود أسباب الاعتقالات الموجّهة ضدّ شيوخ القبائل هذه الفترة إلى عاملين رئيسيين. الأول هو توجّس ولي العهد من ولاء هؤلاء الشيوخ لأمراء آخرين داخل أسرته، وخصوصاً أنّ الكثير من الأمراء كان يغدق الأموال والمناصب على هؤلاء الشيوخ وقراهم التي يحكمونها، والتي تسمّى في السعودية باسم "الهجرة".

أمّا العامل الثاني، فيعود إلى محاولة بعض الزعامات القبلية، خصوصاً التي تتحدر من عائلات لها جذور في التمرّد القبلي القديم، أو من عائلات منافسة للأسرة الحاكمة، صنع زعامة شعبية، مستغلين الغضب الشعبي بسبب رفع أسعار الوقود والكهرباء والماء، وفرض الضرائب الباهظة، ووصول الرؤية السياسية والاقتصادية لولي العهد إلى طريق مسدود في حرب اليمن، ومشروع بيع شركة "أرامكو". لكنّ الإجراءات المشدّدة ضدّ القبائل في السعودية لم تقتصر على اعتقال بعض الشيوخ المتمردين وذوي الصوت العالي فحسب، بل امتدت إلى قطع المنح والعطايا عن جميع شيوخ القبائل بحجة العجز الاقتصادي.


ومنذ وصول محمد بن سلمان لكرسي ولاية العهد منتصف العام الماضي، توقّفت المنح والعطايا التي كان الديوان الملكي يمنحها بشكل سنوي لأمراء وشيوخ القبائل، والتي تسمى محلياً بـ"الشرهات"، وهو ما زاد من حدّة الحنق على ولي العهد بين شيوخ القبائل الذين يرون أنفسهم كصمام أمن للبلاد، ووقود لحروب التأسيس الأولى. كما أنّهم يقولون إنّ هذه المنح لا تذهب إلى جيوبهم، بل تذهب إلى فقراء القبائل في القرى الريفية البعيدة التي تعاني من الإهمال ونقص الخدمات ووعورة الطريق، ما يعني أنّ قطع المنح سيتسبّب بأزمة كبيرة لمجتمعات كاملة داخل البلاد.

ودفع السخط المنتشر بين القبائل السعودية، والتي تملك روابط أسرية مع فروعها في دول الخليج مثل الكويت وقطر، الأجهزة الأمنية إلى ملاحقة شيوخ القبائل الحاملين لجنسيات أخرى. وقامت بالضغط على الكويت لتسليم الأمير نواف طلال الرشيد، الذي يحمل الجنسيتين السعودية والقطرية، وهو أحد أمراء قبيلة شمّر، وأسرة آل رشيد المنافسة تاريخياً للأسرة السعودية الحاكمة، وسط مطالبات من "لجنة حقوق الإنسان القطرية" بالكشف عن مصيره.

وفي سبيل توحيد البلاد، أنشأ الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، مطلع القرن الماضي، حركة "إخوان من طاع الله"، وهي حركة دينية تلتزم بالتعاليم الوهابية المتشدّدة. وكان قوام هذه الحركة هم جنود القبائل، خصوصاً من قبيلتي "مطير" و"عتيبة"، إذ قاموا بإسقاط الحاميات العثمانية في شرق الجزيرة العربية، وإسقاط دولة الشريف حسين في الحجاز، ومن ثم إسقاط إمارة آل رشيد في حائل، المنافس التقليدي لأسرة آل سعود في المنطقة.

لكنّ الخلافات سرعان ما دبّت بين شيوخ القبائل المنتمين لحركة "الإخوان" وبين الملك عبد العزيز، لتشعل القبائل السعودية سلسلة من التمرّدات الفاشلة، انتهت بقمعها من قبل النظام السعودي في معارك السبلة وأم رضيمة بمساعدة بريطانية، وإصدار الملك عبد العزيز أوامر بتجريف قرى القبائل المتمردة وعلى رأسها قرية الغطغط، واعتقال زعيمي التمرّد، وهما الشيخ فيصل الدويش شيخ قبيلة "مطير"، والشيخ سلطان بن بجاد آل حميد، شيخ قبيلة عتيبة، وإيداعهما السجن.

وبعد القضاء النهائي على التمرّد الذي هدّد بتقسيم البلاد آنذاك، أسّس النظام السعودي جيشاً قبلياً من قادة القبائل الموالين له أو الذين فضّلوا عدم التمرّد. كما قام بتقريب أبناء وأحفاد المتمرّدين له بعد وفاة آبائهم، وأعاد دمجهم في هذا الجيش الذي تحوّل في ما بعد إلى جهاز الحرس الوطني السعودي الذي يضم عشرات الآلاف من المقاتلين القبليين المدربين، والذين شارك جزء منهم في حماية الحدود السعودية مع اليمن في الحرب الطاحنة التي يخوضها بن سلمان ضد الحوثيين.

وطوال سنوات، أدار الأمير عبد الله بن عبد العزيز، برفقة مستشاره عبد العزيز التويجري، ومن ثمّ ابنه المستشار خالد، هذا الجهاز، وتمكّنوا من إيجاد صيغة تفاهمية بين النظام السعودي والقبائل، ومنحت كل قبيلة بحسب حجمها ألوية كاملة تسمى بالأفواج، إذ تملك كل زعامة قبلية لواءً كاملاً من أبناء قبيلتها الموالين للنظام فقط. وبعد وصول عبد الله بن عبد العزيز لسدة الحكم كملك للبلاد، تحوّل الجهاز إلى جهاز خاص لحمايته وحماية ابنه، الأمير متعب بن عبد الله، الذي أصبح وزيراً للحرس الوطني قبل أن يُعزل ويسجن على يد بن سلمان.

وتنذر تصرّفات ولي العهد تجاه شيوخ القبائل وقادة الأفواج في الحرس الوطني باختلال كبير في هذه الصيغة التفاهمية بين القبيلة والنظام، كما اختلت الصيغة ذاتها بين "تيار الصحوة" والنظام والتي كان قد توصّل إليها الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية الأسبق، وابنه ولي العهد المعزول محمد، بفعل الاعتقالات التي شنتها أجهزة الأمن السعودية ضدّ التيار منذ مطلع سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، وأدّت إلى تحوّل التيار إلى تيار معارض يعيش مطارداً في الداخل ونشطاً في الخارج.

المساهمون