القاهرة الفاطمية.. ما تبقّى من خلافة استمرت قرنين

19 ديسمبر 2019
الصورة
(مجمع السلطان الغوري في القاهرة، تصوير: فريدريك سلطان)

كثيرون يجهلون اليوم أن مدينة القاهرة، هذه العاصمة الإسلامية التي تبدو وكأنها ولدت مع ولادة الإسلام، تدين بوجودها لـ الفاطميين الذين انتزعوا مصر من أيدي العباسيين وأسّسوا فيها خلافة شيعية إسماعيلية استمرّت أكثر من قرنين من الزمن.

فالفاطميون، الذين يرجع نسبهم إلى السيدة فاطمة بنت الرسول وزوجة ابن عمه علي بن أبي طالب، الخليفة الراشد الرابع والإمام الأول للطوائف الشيعية العديدة، قدِموا من إفريقية (تونس حالياً)، التي كانوا قد هربوا إليها من العباسيين وأسّسوا فيها دولتهم عام 920 ميلادي. وهم كانوا قد حاولوا الاستيلاء على مصر مرتين قبل أن ينجح جوهر الصقلّي قائد جيش الخليفة المعز لدين الله باحتلال الفسطاط، عاصمة مصر الإسلامية الأولى، عام 969 م، وينشئ على بعد ميلين إلى الشمال منها معسكراً لجيشه أحاطه بسور من الطوب اللبن.

يقال إن المعسكر/ المدينة اكتسبت اسمها من حادثة وقعت عندما أمر جوهر عماله بألا يفرغوا مؤنة السور في خنادقه إلا بعد أن يسمعوا دقات الأجراس التي أمر بربطها على عصي خشبية لتُقرع عندما يتأكد المنجمون من الطالع المناسب لـ بناء المدينة، إلا أن غراباً وقع على الخيط الذي يربط الأجراس مما أدى إلى قرعها وسكب العمال المونة والحجارة قبل وصول الإشارة المنتظرة. ولما كان المريخ في الطالع وقتذاك اتفق على تسمية المدينة على اسمه وهو القاهر بالعربية فصارت القاهرة.‬

وعلى الرغم من تواتر هذه القصة، إلا أن المؤرخين لاحظوا وجود قصصٍ مشابهة لها عن تأسيس مدينتي روما والإسكندرية مما يدلّ على أنها قصة مجازية استخدمت لتبرير تأسيس المدن وفق دلائل الأبراج بشكل عام.

سرعان ما تطوّرت القاهرة بعد وصول المعزّ إليها عام 972 م، وأصبحت عاصمة ملكية حيث يقيم الخليفة، الذي كان يمثّل السلطة الدينية والزمنية في الآن نفسه، مع أسرته وحرّاسه وخليط من موظفي البلاط المدنيين والعسكريين. كانت المدينة مستطيلة الشكل يخترقها شريان رئيسي من الشمال إلى الجنوب باسم الشارع الأعظم؛ وقصران كبيران للخليفة، القصر الشرقي والقصر الغربي، اللذان شغلا وسط المدينة وفصلهما ميدان واسع، سُمي ميدان بين القصرين، كان يستخدم في المواكب الرسمية والعسكرية.

كان للمدينة مسجدان جامعان؛ جامع الأزهر الذي بدأ جوهر ببنائه جنوب القصر الشرقي، وجامع الحاكم (بُني بين 990 و1010 م) مباشرة خارج السور الشمالي. أما باقي المدينة، فقد قسّم خططاً للمجموعات القبلية والعرقية التي شكّلت الجيش الفاطمي ‫المكون بمعظمه من أبناء القبائل البربرية‬ لإقامتهم وأسرهم. وقد بقيت القاهرة طيلة قرنين من الزمان محرّمة على عامة المصريين الذين سكنوا الفسطاط عاصمة البلاد الاقتصادية التي بقيت دون أسوار.

مثّل الفاطميون في البداية تهديداً للخلافة العباسية في بغداد حينما حاولوا أن يمدّوا حدود دولتهم إلى سورية والحجاز واليمن وأجزاء كبيرة من شمال أفريقيا بالإضافة إلى مصر، بل إنهم قد خُطب لهم على منابر بغداد نفسها لأكثر من خمسين جمعة عام 1058 م. ولكنهم تراجعوا بنهاية القرن الحادي عشر وفقدوا معظم سيطرتهم خارج مصر ما عدا أجزاء من فلسطين.

وكذلك ضعفت سلطتهم الفعلية، وانتقلت السيطرة السياسية إلى قبضة وزرائهم ابتداءاً من وزارة القائد الأرمني بدر الجمالي (1074- 1094) الذي أنقذ الخلافة من محنة ضارية، لكنه استولى على السلطة في المقابل. شيّد بدر الجمالي تحصينات جديدة للقاهرة بين عامي 1087 و1092، ولكن هذه المرة من الطوب مع بوابات حجرية: باب النصر وباب الفتوح في الشمال وباب زويلة في الجنوب.

يبدو أن هذه التجديدات تأثرت بالتطوّرات الجارية في سورية، التي جاء منها بدر الجمالي لإنقاذ الخليفة المستنصر، حيث كان كثير من أمراء السلاجقة مشغولين بتحصين مدنهم وبناء قلاع لها لم تحصل القاهرة على واحدة منها إلا بعد سقوط الفاطميين. بل يبدو أن تنفيذ بناء البوابات الثلاث التي تحمل في عمارتها وزخرفها الكثير من التأثيرات البيزنطية، تمّ عن طريق ثلاثة إخوة أرمن بنائين من الرّها السورية (أورفة في تركيا اليوم).

فقدت الدولة الفاطمية عسقلان، آخر معقل لها في فلسطين، حينما استولى عليها بلدوين الثالث ملك الفرنجة في القدس عام 1153 م. وتوقفت عن لعب أي دور فعّال في صراع القوى في المنطقة حيث تواجهت إمارات الصليبيين مع إمارة نور الدين محمود بن زنكي في الشام الذي أدرك أن مصر بثرواتها ومواردها البشرية تملك مفتاح السيادة على المنطقة.

نور الدين الذي بدأ حركة الاسترجاع من الصليبيين، كان أيضاً راغباً بالقضاء على الخلافة الفاطمية وإعادة مصر إلى حظيرة الخلافة العباسية. تصارع الخصمان، الزنكيون والفرنجة، على أرض مصر، يساند كلّ منهما فريقاً من المتكالبين على السلطة الفاطمية. انتهت حملتان عسكريتان في عامي 1164 و1167 من دون رابح واضح.

ثم أرسل نور الدين جيشاً ثالثاً في أكتوبر عام 1169، استجابة للخليفة الفاطمي العاضد للردّ على غزوة عموري ملك القدس الذي توغل شمال القاهرة وهدّد المدينة نفسها. وفي خطوة دفاعية أخيرة أمر الوزير الفاطمي شاور بإخلاء الفسطاط من سكانها وإحراقها لمنع الفرنجة من الاستيلاء عليها واستخدامها كقاعدة لهجومهم على القاهرة.

لم تكن العملية ضروريةً، لأن قائد نور الدين، أسد الدين شيركوه وجيشه كانا قد وصلا إلى العاصمة الفاطمية وأجبرا الفرنجة على التراجع من دون قتال. بقي شيركوه في مصر لحمايتها من غزوات مقبلة للفرنجة وللتأكد من إرسال ثلث خراج البلاد إلى سورية كما وعد الفاطميون نور الدين. ولكنه في الحقيقة كان يضمر أكثر من ذلك، إذ إن شاور سرعان ما قُتل وعُين شيركوه وزيراً مكانه من قِبل الخليفة العاضد، مما جعله الحاكم الفعلي للبلاد.

لم يهنأ شيركوه بالمنصب طويلاً فقد مات بعد شهرين، وخلفه صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن أخيه الصغير، الذي برز اسمه خلال الحملة الثانية عام 1167، إذ عينه الخليفة العاضد وزيراً ومنحه لقبين تشريفيين، الملك والناصر، اتباعاً لتقاليد البلاط الفاطمي. ولكن صلاح الدين سرعان ما استغل وفاة العاضد المبكرة (والمشبوهة)، وأعلن نهاية الخلافة الفاطمية عام 1171، وإعادة إحياء الخلافة العباسية في مصر.

تلا ذلك فتح المدينة لسكنى العامة، وعزل أفراد العائلة الفاطمية إناثاً وذكوراً عن بعض لئلا يتناسلوا- بحسب بعض الروايات، وتوزيع قاعات القصور الفاطمية على أمراء نور الدين الذين عاثوا فيها عمداً، وبيع مختلف محتويات القصور أو توزيعها على الأمراء بما في ذلك المكتبة الهائلة، وطرد أتباع الفاطميين وقتل عدد كبير منهم، ونبش قبور الخلفاء وتسويتها بالأرض، وأُغلق الجامع الأزهر مركز الدعوة الإسماعيلية.

ثم ابتدأ خلفاء صلاح الدين من الأيوبيين وبعدهم المماليك باستقطاع أجزاء من القصور الفاطمية لبناء مدارسهم ومدافنهم، ما أدى لزوالها تماماً ما عدا أجزاء قليلة ضمّها السلطان قلاوون إلى بيمارستانه الذي أنشأه عام 1284.

لم يبق من المدينة الفاطمية سوى الجامعيْن، اللذين تغيّرت عمارتهما كثيراً، والبوابات الثلاث وبعضٍ من جامع الأقمر الصغير الذي كان ملحقاً بالقصر والذي ما زال يطلّ بواجهته المعبّرة على ما بقي من الشارع الأعظم، الذي سمّي اليوم، ويا للسخرية، بشارع المعزّ.


* مؤرخ معماري سوري وأستاذ كرسي الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا