القاضي كافانو والاقتصاد الأميركي

10 أكتوبر 2018
الصورة
أكثر من ألفي متظاهر تجمعوا ليعلنوا عن احتجاجهم(Getty)
+ الخط -
بعد أسابيع من التراشق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وسماع شهادات واجراء استجوابات، أُسدِل الستار على مشهد ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقاضي بريت كافانو للمحكمة العليا، بعد أن صوت مجلس الشيوخ لصالح تعيينه عصر يوم السبت الماضي، على الرغم من وجود أكثر من ألفي متظاهر، أغلبهم من النساء، على بعد خطوات من مدخل مبنى الكابيتول، مقر الكونغرس، في نفس وقت التصويت النهائي، وقد تجمعوا ليعلنوا عن احتجاجهم على تعيين القاضي الذي اتهمته احدى السيدات بمحاولة الاعتداء عليها قبل ستة وثلاثين عاماً.

وكما جسد مشهد الاستماع إلى شهادة السيدة التي اتهمت القاضي، ثم دفاع القاضي عن نفسه ونفيه الاتهامات، أمام إحدى لجان الكونغرس قبل التصويت على قبول تعيينه في المحكمة العليا، أحد أهم مظاهر قوة الديمقراطية الأميركية، فقد أظهر الانقسام بين أنصار الحزبين أحد أقبح التحولات في المجتمع الأميركي، بعد أن أصبح الانتماء إلى الحزب هو الذي يحدد موقف المواطن من هذه القضية الأخلاقية شديدة التعقيد.

وإذا كان الظاهر للعيان في الوقت الحالي أن أغلب المحتجين على تعيين القاضي خريج جامعة ييل هم من النساء أو من المناصريين لقضايا المرأة، فمن الواضح أيضاً أن هناك فصيلا آخر غير سعيد بتعيين كافانو في المحكمة العليا، ولكن هذه المرة على أساس اقتصادي اجتماعي، حيث يعتبره البعض منحازاً للشركات على حساب المواطن العادي.

ومن الواضح أيضاً، والمثير للإعجاب، أن لديهم من الآليات ما يسمح لهم بمراقبة القضاة، ومعرفة ميولهم وفقاً لأحكامهم السابقة، كما يتضح اهتمامهم بالحفاظ على حقوق المواطنين ومساندتهم في مواجهة ما يسمونه، في الولايات المتحدة معقل الرأسمالية، جشع الشركات والبنوك وتوحشهم.

وفي تقرير حديث لمؤسسة أسواق أفضل Better markets المستقلة غير الحزبية وغير الهادفة للربح، والتي تم تأسيسها بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 للدفاع عن الصالح العام في مواجهة الأسواق المالية، وللمساعدة في الإصلاح المالي لحي وول ستريت، جاء أن "القاضي كافانو أظهر مراراً وتكراراً اهتماماً استثنائياً بمصالح الشركات، وكان اهتمامه، وربما وعيه، قليلاً بالضرر الواسع الذي يمكن أن تلحقه الشركات بالعمال الأميركيين المجتهدين".

وتوقعت المؤسسة أن ينصر القاضي كافانو الشركات على المستثمرين وحاملي الأسهم والمستهلكين، وأن تكون أحكامه في غير صالح الجهات العاملة على حماية المواطنين من الاحتيال والسلوكيات الوحشية لأسواق المال.

وعدد التقرير الصادر عن المؤسسة، التي تقول عن نفسها إنها تراقب أيضاً الحكومة والجهات التنظيمية وجهات التحقيق، بعض االمواقف التي تسببت في هذا الانطباع عن القاضي كافانو، ومنها أنه في أحد أحكامه السابقة وصف مكتب الحماية المالية للمستهلك، والعديد من الجهات المدافعة عن حقوق المواطنين والمنظمة للتعاملات في العديد من القطاعات المالية، بأنها تمثل تهديداً للحرية الفردية، كما حاول أن يطعن في شرعية تكوينها.

واتهم التقرير كافانو بأنه ضيق بصورة كبيرة نطاق ما يدخل تحت أحكام الاحتيال في قوانين الأوراق المالية، وأنه هاجم في إحدى المرات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية لملاحقتها منتهكي القانون.

ومن ناحية أخرى فقد أبرز التقرير إظهار كافانو رغبته في إلغاء المبدأ القانوني الذي يتطلب من المحاكم إظهار احترام تفسير الوكالات للقانون، بالإضافة إلى دعمه وضع المزيد من العقبات القانونية أمام جهات حماية المصلحة العامة.

وتحتوي أجندة المحكمة العليا في الولايات المتحدة لفترة الانعقاد القادمة على العديد من القضايا التي تمس مصالح المواطن الأميركي المالية، ومنها فرض التحكيم الإلزامي على المستهلكين الذين تتسبب بعض المنتجات في إصابتهم، وتقليص دور الولايات في حماية المستهلكين والمستثمرين من الاحتيال المالي، بالإضافة إلى تخفيض التعويضات المالية في حالات الدعاوى الجماعية.

وحذر التقرير المواطن الأميركي من أحكام كافانو المتوقعة في هذه القضايا، حيث إن "تاريخه المنحاز على طول الخط للشركات، وضد المستهلكين، سيكون نموذجاً لقراراته في القضايا القادمة، وهو ما سيمس كل مواطن".

وعلى هذا الأساس، فقد اعتبرت المؤسسة أن تعيين كافانو في المحكمة العليا سيكون له من الآثار السلبية على المواطن الأميركي ما يستدعي التوجس، خاصة فيما يخص تصويت المحكمة على القضايا الموجودة في الأجندة.

ما يحدث حالياً من تقييم لتوجهات كافانو حدث مع الأعضاء الآخرين من قبل، وفي أغلب الأحوال يتم تصنيف كل قاض من القضاة التسعة الذين تتكون منهم المحكمة العليا على أنهم ذوو آراء أو توجهات محافظة، أو معتدلة، أو ليبرالية، سواء فيما يخص القانون أو ما يخص التفسيرات القضائية لبعض التشريعات.

ولا تعد محاولات الكشف عن توجهات القضاة قبل تعيينهم في المحكمة العليا من قبيل المخاصمات السياسية السائدة في الوقت الحالي، وإنما تعد محاولة جادة للتأكد من سلامة وعدم انحياز الأحكام الصادرة من أعلى محكمة أميركية، لأنهم يدركون جيداً مدى تأثر الحياة السياسية في الولايات المتحدة، وبالتالي حياة كل مواطن، بالأحكام الصادرة، حتى وإن كان بصورة غير مباشرة.

هم يقدرون العدل، ويبذلون قصارى جهدهم لتحقيقه، وينشئون الجهات التي تعمل على مراقبة تحققه بين أفراد المجتمع. لكن في بلادنا العربية، يرى البعض أن العدل ربما يأتي في مرتبة متأخرة في أولويات المواطن بعد لقمة العيش، مع أن الموارد المحدودة، أي الفقر، يعد من أهم أسباب التمسك بتطبيق القانون والمساواة بين الأفراد وتحقيق العدل.

والمواطن الذي يكدح للحصول على رغيف العيش يكون عادة أحوج إلى حماية القوانين من طغيان المادة، ومن سيطرة الشركات الكبرى واحتكاراتها. هذه الشركات التي تجتهد من أجل الحصول على ما في جيب المواطن، وتغض البصر عن أية اعتبارات أخلاقية أو قيمية، وبالتالي فإن غياب الجهات الرقابية التي تتميز بالعدالة والحيادية لن ينتج منه إلا مزيد من الفقر والمعاناة للمواطن.