الفيلم العربي القصير حاليًا: تمرينٌ أو إبداع؟

26 ابريل 2019
الصورة
كوثر بن هنيّة: فيلم قصير بعد أفلام طويلة (فيسبوك)
+ الخط -
يُعاني الفيلم القصير مآزق جمّة في العالم العربي. إنتاجه متوفِّر. صناعته مستمرّة. محبّوه موجودون. الدراسة الأكاديمية تفرضه على طلاّب يدرسون السينما أو "السمعي البصري"، كما يحلو لمعاهد وجامعات خاصّة تسمية الدراسة، فيُنجزونه في مرحلة التخرّج، وفي دراسات عليا. طلاّب عديدون يكشفون، بأفلام التخرّج تلك، امتلاكهم الجميل لمفردات سينمائية مُثيرة للتنبّه والاهتمام والمتابعة والنقاش. بعضهم يُنجز فيلم التخرّج لنجاحٍ يبتغيه في امتحانات أخيرة، لكنه ـ في الوقت نفسه ـ يضع ذاته وروحه وهواجسه وحساسيته فيه. هذا مهمّ للغاية. هذا يكشف هيامًا ـ انفعاليًا وحسّيا وتأمّليًا وثقافيًا ـ بالسينما أولاً، وبالفيلم القصير ثانيًا. صحيح أنّ هذا البعض غير قادر على بدء حياة مهنيّة كالتي يحلم بها أعوام الدراسة؛ وصحيحٌ أنّ تكاليف الحياة اليومية مُرهِقة، وهذا ضاغط على الجميع، فينصرف البعض إلى أعمالٍ مختلفة لتوفير نمط عيشٍ، متواضع على الأقلّ. لكن الشغف السينمائيّ ينكشف في أفلام التخرّج، وإنْ يبقى عددها قليلاً. الشغف السينمائيّ يُترجَم إلى متتاليات بصرية في أفلامٍ قصيرة، رغم أن بعض صانعي تلك الأفلام ينفضّون عن النوع القصير سريعًا، ويذهبون إلى الطويل أو الوثائقي مثلاً، وهذه إحدى مآزق صناعة الفيلم القصير.

مهرجانات سينمائية مُقامَة في مدنٍ عربية مختلفة تُفرِد حيّزًا كبيرًا له في دوراتها السنوية، من دون أن يكون له مهرجانٌ مستقلّ، عربيّ أو دوليّ، كـ"مهرجان كليرمون فيران" في فرنسا مثلاً، الموصوف بـ"كانّ الفيلم القصير" لشدّة أهميّته. لكن مآزقه عديدة: توزيعه وعرضه التجاري مُصابان بعطبٍ كبيرٍ، إذ لن يهتمّ بتوزيعه وعرضه موزّعون وأصحاب صالات. المحطّات التلفزيونية العربية منفضّة عنه، إنتاجًا أو مشاركةً في الإنتاج، وعرضًا. تجربة يتيمة تشهدها بيروت قبل أعوام طويلة: صالات قليلة للغاية تعرض فيلمًا قصيرًا قبل عرض فيلم طويل، والفيلمان لبنانيان. محطّات تلفزيونية لبنانية تبثّ بعض الإنتاج اللبناني القصير، وتستضيف شبابًا يُنجزونه. التجربة يتيمة. زمنها قصيرٌ للغاية.

مآزق الفيلم القصير جمّة. مُشاهدون سينمائيون كثيرون غير آبهين به. نقّاد وصحافيون سينمائيون أيضًا. جمهور الصالات غير راغب فيه. ساهرون في منازلهم غير مكترثين بشاشة صغيرة إنْ تعرضه، فحاجتهم كبيرة إلى ترفيه وتسلية، وإلى أفلام وبرامج ومسلسلات "خفيفة الظلّ".
هذه مسائل أساسية. ومع هذا، يخوض كثيرون تجربة الإخراج السينمائي لأفلام قصيرة. صناعته غير سهلة البتّة.
يحتاج إلى خطط عملية للحصول على إنتاج أو تمويل أو دعم. يحتاج إلى كفاحٍ حقيقي، أحيانًا، كي يحصل صانعوه على ميزانيات لإنجازه، وإنْ تكن الميزانيات أقلّ من تلك المطلوبة لفيلم طويل أو وثائقيّ. ممثلات وممثلون معروفون يتردّدون عن المشاركة فيه، رغم أنّ البعض مُغامِر. انتشاره الجماهيري قليلٌ. هذا عائقٌ أمام موافقة تمثيلية لمعروفين. أجور العاملين فيه متواضعة، وهذا إنْ يحدث يكون عائقًا آخر. ميزة التطوّع تسم عاملين فيه، غالبًا. لكن هذا غير مؤكّد أو دقيق، إذْ يوافق البعض على التجربة، معتبرًا أنها جزءٌ من تمرين واختبار، أو إضافة نوعية ومعنوية إنْ يكن للمخرج صيتٌ إيجابيّ في صناعة الأفلام، أو مغامرة مع مخرج شاب يمتلك نصًّا مثيرًا للاهتمام. 

التنويع السينمائي الخاصّ بالفيلم القصير مفتوح على التجريب والـ"فيديو آرت" والتحريك. هذه كلّها محتاجة إلى ميزانيات وتقنيات. الكفاءات موجودة في المجالات المختلفة للفيلم القصير. الانغماس في صناعته يُنتج أفلامًا تُبهر وتُمتّع وتُصيب عمق مُشاهِد مهتمّ، وتحرّضه على تأمّل وتفكير. لن يكون هذا شاملاً. نتيجة إنجاز القصير شبيهةٌ بنتيجة إنجاز الطويل أو الوثائقيّ: الجماليات طاغية أحيانًا، والخلل والارتباكات تسود متنه وأشكاله أحيانًا أخرى.
يفرح نقّاد وصحافيون سينمائيون بمن يُخرج فيلمًا قصيرًا، بعد أفلام طويلة تُثير نقاشًا متنوّعًا. التونسية كوثر بن هنيّة تُنجز "بطيخ الشيخ" (2018) بعد 3 أفلام طويلة، كلّ واحد منها مُثيرٌ لنقاشٍ ومتع بصرية. البعض يعتبر الفيلم القصير "محطّة استراحة" لن تُلهيه عن إكمال مشاريعه الطويلة، فالاشتغال الدائم ضرورة، وابتكار صُوَر ومعاني بصرية حاجة إلى مزيدٍ من تطوّر ذاتي وفكري.

والمنطق التجاري يتحكّم في سوق العرض، لذا يُسْتَبعدُ الفيلم القصير من عمل الموزّعين وأصحاب الصالات، ومن اهتمام مؤسّسات التلفزة. "مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة" أبرز نشاط سينمائي عربيّ يهتمّ بالفيلم القصير. "مهرجان الفيلم العربي" في بيروت يجتهد لإبرازه.

هذان مثلان لن يُغيِّبا مهرجانات أخرى تُعنى، بشكلٍ أو بآخر، بالفيلم القصير. لكن المأزق الفعلي كامنٌ في غياب مشاهدين وجمهور له، وهذا محتاج إلى خطط عمليّة، يُشارِك فيها منتجون وموزّعون وأصحاب صالات ومحطات تلفزيونية ونقّاد وصحافيون سينمائيون.

التونسية كوثر بن هنيّة تُنجز "بطيخ الشيخ" (2018) بعد 3 أفلام طويلة، كلّ واحد منها مُثيرٌ لنقاشٍ ومتع بصرية. البعض يعتبر الفيلم القصير "محطّة استراحة" لن تُلهيه عن إكمال مشاريعه الطويلة، فالاشتغال الدائم ضرورة، وابتكار صُوَر ومعاني بصرية حاجة إلى مزيدٍ من تطوّر ذاتي وفكري.

المساهمون