الفيتو الأميركي على معركة الحديدة: العمليات متوقفة منذ أيام

07 يونيو 2018
خشية أميركية وأممية من تفاقم الوضع الإنساني(عبدو حيدر/فرانس برس)
+ الخط -
شهدت الأيام الماضية لقاءات ونقاشات دبلوماسية مكثفة بخصوص الوضع اليمني وسط جهود دولية لإنقاذ الوضع في محافظة الحديدة الاستراتيجية، غربي البلاد، خصوصاً بعدما أعلنت قوات الشرعية أنها على بعد كيلومترات معدودة من الحديدة. وعلى الرغم من أن مغادرة المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث صنعاء، أول من أمس الثلاثاء، بعد أيام من زيارتها من دون نتيجة معلنة بشأن الحديدة، لم تعزز التفاؤل حيال إمكانية التوصل لتفاهمات تضع حداً للتصعيد، إلا أن الإدارة الأميركية وضعت، بحسب ما كشفت وكالة "رويترز"، فيتو أمام مساعي أبوظبي وحلفائها للسيطرة على المدينة، في رفض واضح للطلب الذي كانت أبوظبي قد تقدمت به لواشنطن قبل أيام لدعم استيلائها على ميناء الحديدة. ويعد الميناء الشريان الرئيسي لإيصال المساعدات والاحتياجات الأساسية المستوردة من الخارج إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلا أن التحالف العربي والشرعية العربية يريانه كمحطة يستخدمها الحوثيون لتنفيذ عمليات تستهدف سفناً في البحر الأحمر.

وذكر مسؤولون أميركيون أن الولايات المتحدة حذرت حليفتها الإمارات من شنّ هجوم على مدينة الحديدة الساحلية في اليمن، وهو ما يخشى خبراء الأمم المتحدة من أنه قد يتسبب في أزمة إنسانية جديدة. وأفاد مصدران مطلعان بأن مسؤولين أميركيين التقوا في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، لبحث الأزمة. ولم يتضح ما إذا كانوا قد توصلوا لأي قرارات. لكن متحدثاً باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض ذكر أن واشنطن تعارض أي جهود من جانب الإمارات والقوات اليمنية التي تساندها للسيطرة على المدينة.

وقال المتحدث، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه ليس مخولاً بالحديث عن الأمر: "الولايات المتحدة واضحة وثابتة على مبدأ أننا لن ندعم أي أعمال من شأنها أن تدمر البنية الأساسية الرئيسية أو يحتمل أن تزيد من تدهور الوضع الإنساني الرهيب الذي اتسع نطاقه في هذا الصراع المتأزم". وأضاف "نتوقع أن تلتزم جميع الأطراف بقانون النزاعات المسلحة وتجنب استهداف المدنيين أو البنية الأساسية التجارية".

وجاء التحذير الأميركي بعد أيام من كشف صحيفة وول ستريت جورنال أن
الإدارة الأميركية تدرس طلباً من دولة الإمارات العربية للحصول على دعم مباشر من الولايات المتحدة للاستيلاء على ميناء الحديدة، موضحةً أن المسؤولين السعوديين والإماراتيين أكدوا لإدارة ترامب أنهم لن يحاولوا السيطرة على الميناء حتى يحصلوا على الدعم الأميركي. وحسب الصحيفة، فقد طالب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بإجراء تقييم سريع لنداء الإمارات، فيما ذكر مسؤولون أميركيون أن مناشدة الإمارات لدعمها كي تستولي على الميناء قد تكون لها آثار كارثية. وهو الرأي الذي يتوافق مع ما يردده مسؤولو الأمم المتحدة، إذ كثفوا في الأيام الماضية تحذيراتهم من أن الهجوم على الحديدة، التي يقارب عدد سكانها 600 ألف، سيسبب كارثة إنسانية. وتفيد خطة طوارئ أعدتها الأمم المتحدة بأن عشرات الآلاف قد يموتون في أسوأ الاحتمالات.

وهيمن الموقف الدولي من معركة الحديدة على نقاشات سياسية يمنية رفيعة المستوى في ظل بروز مؤشرات رفض واضحة لتصعيد التحالف والشرعية باتجاه المدينة، وهو ما ظهر في بعض التصريحات الرسمية، على غرار تلك التي أدلى بها وزير الخارجية اليمني، خالد اليماني، يوم الاثنين الماضي، عقب لقاء مع السفير البريطاني مايكل إيرون، إذ أشار الوزير اليمني إلى أن التقدم الميداني يهدف للضغط على الحوثيين للعودة إلى المفاوضات، وأن الحكومة مستعدة لضمان مشاركتهم في أي عملية سياسية، وفقاً لشروط وضوابط محددة. مع ذلك، فقد اتهم رئيس ما يُسمى بـ"المجلس السياسي الأعلى"، مهدي المشاط، خلال اللقاء بالمبعوث الأممي، البريطانيين والأميركيين بالقيام بدور مساند للتحالف في الحديدة.

وجاء ذلك في وقت أكدت مصادر سياسية في صنعاء عدم توصل المبعوث الأممي خلال زيارته إلى العاصمة اليمنية لاتفاق واضح المعالم في ما يتعلق بالتهدئة في الحديدة أو ما تردد عن ترتيبات لتسلم الميناء من قبل الأمم المتحدة مقابل وقف التصعيد العسكري. وفي السياق، نقلت وكالة "فرانس برس" عن مصادر سياسية يمنية، أول من أمس الثلاثاء، أن الحوثيين طرحوا حزمة شروط على المبعوث الأممي مقابل الانسحاب من مدينة الحديدة، بينها "دفع رواتب الموظفين العسكريين والمدنيين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وإعادة فتح مطار صنعاء والسماح بحركة الطيران التجاري، ووقف الغارات الجوية للتحالف ورفع الحصار عن الموانئ اليمنية، إضافة إلى تقديم اعتذار عن مقتل صالح الصماد، أعلى مسؤول سياسي لدى الحوثيين، بغارة في إبريل/ نيسان الماضي، في محافظة الحديدة". ونقلت الوكالة أيضاً عن مسؤول حكومي يمني كبير في الرياض، أن "الحوثيين أظهروا موقفاً متصلباً ووضعوا شروطاً تحول دون نجاح مساعي الحل السياسي"، وهو ما بدا مؤشراً مبدئياً على أن معركة الحديدة ما زالت مفتوحة أمام جميع الاحتمالات، بما فيها عودة التصعيد أو التوقف المؤقت.

في غضون ذلك، أكدت مصادر ميدانية لـ"العربي الجديد"، أن العمليات العسكرية الهادفة إلى التقدم نحو مدينة الحديدة، بدت شبه متوقفة في الأيام الأخيرة، على الرغم من استمرار المواجهات المتقطعة في أكثر من منطقة، بالقرب من خطوط التماس التي تسعى القوات في كلا الجانبين إلى تأمين مواقعها على الأقل، في ظل ضربات جوية من حين لآخر.
وفيما تشير المصادر الميدانية، ومثلها مصادر قيادية في الحكومة الشرعية، إلى ارتباط تراجع وتيرة معارك الحديدة، في الأيام الماضية، بالضغوط الدولية وبزيارة المبعوث الأممي، التي أعلن الثلاثاء اختتامها من صنعاء، تؤكد في المقابل، استمرار التعزيزات العسكرية على الجانبين، من قبل مسحلي جماعة أنصار الله (الحوثيين) وحلفائهم نحو مركز المدينة الخاضع لسيطرة الجماعة وكذا بالنسبة لقوات الشرعية، التي تصل إمداداتها من الجزء الجنوبي من الساحل الغربي، الأمر الذي يجعل من أي تهدئة في الحديدة، مرشحة للتصعيد في أي لحظة، كنتيجة طبيعية للوضع الميداني الذي تغلب فيه حالة عدم الثقة بين مختلف الأطراف أمام معركة تكتسب أهمية استراتيجية إلى حد كبير.

إلى ذلك، كان واضحاً أن الملف الأساسي لزيارة المبعوث الأممي إلى صنعاء على الأقل، تمحور حول خطته التي يعتزم تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي في الـ19 من شهر يونيو/ حزيران الحالي لإطلاق عملية سلام في المرحلة المقبلة. وتؤكد مصادر سياسية في صنعاء لـ"العربي الجديد"، أن اللقاءات شملت في السياق العديد من النقاشات، بما فيها التطرق إلى قوام الوفد المشارك في أي مفاوضات مقبلة ومشاركة حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي شارك في جولات المفاوضات السابقة إلى جانب الحوثيين كحليف، إلا أنه بات منقسماً بعد مقتل زعيمه علي عبدالله صالح وانهيار تحالفه مع الحوثيين أواخر العام الماضي، بين القيادات الموجودة في صنعاء وتتبنى مواقف تتماهى مع الحوثيين على العكس من القيادات الموجودة خارج البلاد.