الفن والثورة.. انتهى العرض (3 - 3)

27 يناير 2017
الصورة
(مسرح بالقاهرة، تصوير: خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

مصادرة الحياة المدنية طاولت جميع المجالات ولاسيما الوسط الفني، بدأت تلك المصادرة؛ مع منع عرض مسلسل الكاتب بلال فضل "أهل الإسكندرية"، وتوقيف برنامج"البرنامج" لباسم يوسف، رغم أنه لم يكن يتعرّض لشخص عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك، وكذلك بلال فضل في مسلسله. كما صادرت الدولة حقّ الكلام في الدين والدفاع عن الأخلاق، فرأينا إغلاق برنامج "مع إسلام" وحبس إسلام البحيري (المؤيّد للسيسي)، وحبس الكاتب الشاب أحمد ناجي بتهمة خدش الحياء، وبذلك لم يعد هناك مساحة كبيرة للفن للدخول في مسائل الدين والسياسة.

ظهر هذا سريعًا على الأفلام القليلة "لهبوط الإنتاج السينمائي" والمسلسلات التي أنتجت، فالحيوية في مناقشة المسائل الدينية حتي من منظور ضعيف كما حدث في عام الإخوان اختفت تمامًا، واختفت سيرة أجهزة الشرطة أو ثورة يناير، وكان ذلك الاختفاء فرصة لصعود يوسف الشريف وأعمال الأكشن والإثارة، وكذلك أتاحت الفرصة لسيطرة المسلسلات الأسرية والتي تذاع غالبًا علي قناتي "mbc مصر" و"الحياة"، مثل مسلسلات عادل إمام، ومصطفى شعبان، وغادة عبد الرازق.

أما في السينما فقد دينت ثورة يناير في فيلم "الجزيرة 2"، ولكن برغم ذلك كان هناك مساحة استغلتها جيدًا الكاتبة مريم ناعوم في مسلسلي "سجن النسا" و"تحت السيطرة"، عرضت ناعوم بعض القضايا المجتمعية الهامة من منظور نسوي شديد الرقّة، سواء في إظهار حياة السجينات الاجتماعية التي انتهت بدخولهن السجن، ومقدار الظلم الذي يتعرّضن له، وضعف المنظومة القضائية والتي تنحاز عادةً ضد النساء، لقد عرضت القضايا النسوية من داخل السجن، بل واستطاعت الحصول على إشادات جماهيرية ونقدية وهذا نادرًا ما يحدث مع الأعمال ذات المنظور النسوي.

كذلك الأمر في مسلسل "تحت السيطرة"، ولكن هذه المرّة مع نساء من الطبقة الوسطى ونظرة الرجل لزوجته المدمنة (سابقًا)، وعدم غفرانه لها بالرغم من وقوعه في الكثير من الأخطاء، وضغط المجتمع على المتعافين من الإدمان (وخصوصًا النساء)، مما يؤدي لوقوعهم فيه مرة أخرى. لا شك أن مريم ناعوم من أفضل الكتّاب الاجتماعيين في العصر الحالي، في ظل ندرة المواهب في الدراما والسينما المصرية.

لماذا حقّقت أعمال محمد رمضان الدرامية هذا النجاح الاستثنائي؟ ظل هذا اللغز لفترة كبيرة، يرجعه البعض لانخفاض الذوق العام، ولكن الحقيقة أن محمد رمضان فنانٌ ذكي في اختيار مواضيع مسلسلاته، فقد غازل الكثير من الطبقات الشعبية الدنيا. الطبقات الشعبية التي لا يتوفّر في أحيائها الأمن الكافي، أو تطبيق منظومة عادلة لحمايتها من اعتداءات الأجهزة الأمنية، في ظل وجود مستوى اجتماعي متدن ورغبة في الترقّي.

لقد قدم محمد رمضان نموذجا للبطل الشعبي في مسلسلي "ابن حلال" و"الأسطورة"، ففي مسلسل "ابن حلال"؛ يتمّ تلفيق تهمة القتل لـ حبيشة، ويحكم عليه بالإعدام. ثم ينجح حبيشة في الهروب ويحوّل حيّه السكني لثكنة عسكرية تحمي نفسها ذاتيًا من اعتداءات شرطة الداخلية التي تريد القبض عليه. كان هذا نموذجًا خطيرًا ولكنه يتماس مع "لاوعي" هذه الطبقات حيث تحمي أحياء الطقبات الفقيرة نفسها من اعتداءات أجهزة الدولة الأمنية، وتقوم بنموذج تكافل اجتماعي بين القادرين وغير القادرين في هذا الحي وهذا سيتم تحت قيادة شاب (شهم) كحبيشة.

لم يختلف الأمر كثيرًا في مسلسل "الأسطورة"، فيبدأ المسلسل بظلم يقع على أحد الفقراء، وهو ناصر الدسوقي الذي يُرفض في الالتحاق بالسلك القضائي برغم تميّزه الدراسي. في الوقت نفسه يُقتل أخوه "البلطجي" رفاعي الدسوقي فيتقمّص شخصيته ويعود لفرض قوّته وسطوته والانتقام لأخيه.

مرّة أخرى، يقدّم محمد رمضان نموذجًا للشباب الخارج عن القانون، ناصر "البلطجي العادل" الذي ينتقم، ولكنه لا يعتدي على الفقراء بل يراعيهم. ولكن برغم ذكاء محمد رمضان فإنه ينحاز في النهاية هو وكتاب مسلسلاته للطبقة التي ترفض هذا النموذج. هكذا ينتهي عملا محمد رمضان بقتل حبيشة وإعدام ناصر الدسوقي الذي يعلن ندمه على ما اقترفه من أخطاء، لتبقى سطوة الدولة في الأخير وقدرتها على السيطرة، رغم ضعف العدالة والظلم الأمني والقضائي، ولكنها في النهاية تظل في وجهة نظر صنّاع هذه الأعمال، الحلّ الأفضل من نموذج البطل الشعبي الخارج عن الدولة.

سيستمر "الفن الرسمي" لفترة في التخبّط، وستبقى الاستثناءات المميّزة التي تطرح قضايا تقدمية قليلة كمريم ناعوم (على الرغم من انتقادها في نموذج موجة حارّة)، ولكن في الظلّ يُخرج العديد من المخرجين والكتاب الموهوبين الذين يقدّمون أعمالهم التسجيلية أو الروائية المستقلة بأقل الإمكانيات، وقد تتوّج مسيرتهم في النهاية بالانتصار الذي سيكون خطوة في صالح الفن المصري والعربي.