الفن علاج للسجينات في لبنان... وتفريغ المشاعر بالرسم

10 مايو 2017
الصورة
الرسامة عفه مسيلب مع السجينات في الورشة(العربي الجديد)
+ الخط -


العلاج بالفن هو جوهر التجربة التي شاركت فيها سجينات في لبنان، وأثمرت مجموعة لوحاتٍ ستُعرض أمام الجمهور يوم السبت المقبل في مدينة زحلة البقاعية، لينتقل المعرض بعدها إلى طرابلس وبعبدا.

تجربة الرسم في سجن زحلة للنساء في لبنان هي الأولى من نوعها، مشروع علاجي وتفاعلي وتعبيري ساهم في تفريغ شحنات الغضب والنقمة والكبت لدى السجينات المشاركات، وأتاح لهن فرصة التعبير الحرّ عن أفكارهن ومشاعرهن الإيجابية والسلبية على حدّ سواء. تجربة أطلقتها كل من الأخصائية الاجتماعية في جمعية دار الأمل، كوثر عمر، والأخصائية النفسية في الجمعية ذاتها، نرجس ريّا، بالتعاون مع الفنانة التشكيلية عفّه مسيلب.


الرسم وسيلة للإدماج وإعادة التأهيل


12 سجينة تحمّسن للرسم من أصل 31 يقبعن في سجن النساء في مدينة زحلة في محافظة البقاع، انسحبت منهن ثلاث سجينات لاحقاً. لم يعرفن في البداية أن الرسم طريقة تعبير و"فضفضة" وتعرّف على الذات، وليس مجرد تسلية وترويح عن النفس. لكن الاختبار منحهن فرحاً لم يعشنه من قبل، فرصة للتعبير من نوع آخر. كما أتاح للمشرفات الثلاث اختبار قدرة الفن على العلاج، وإعادة الاعتبار والثقة بالنفس، والوصول عبره إلى العمق الإنساني.

المساعدة الاجتماعية كوثر عمر، أوضحت لـ"العربي الجديد" أن تجربة الرسم تندرج في إطار عمل في جمعية دار الأمل على إعادة تأهيل السجينات داخل وخارج السجن، بهدف إدماجهن وتمكينهن وتنمية قدراتهن ومهاراتهن اجتماعياً ونفسياً.

وعملتْ على بناء علاقة ثقة بينها وبين السجينات حتى تتمكن من مساعدتهن، وهي المرحلة التي تسبق إحالتهن إلى المعالجة النفسية، للاستشارة أو العلاج.

ورأت أن التجربة "كانت ناجحة لأنها أظهرت الجمال في أعماق السجينات، فهن لسن شراً وأخطاءً وصورة سلبية بالمطلق، هنّ بشر وفي داخلهن جانب إيجابي ساهم الفن في إظهاره لأنفسهن وللآخرين".


لوحة دوار الشمس للرسام الهولندي فان غوغ(يمين) يقابله رسم إحدى السجينات (العربي الجديد) 




الرسم يعادل الكلام في العلاج النفسي


الأخصائية النفسية، نرجس ريّا، أوضحت أن الرسم كانت وسيلة مساعِدة في تشخيص الحالات النفسية للسجينات المشاركات، أو التثبت من صحة التشخيص السابق للحالة. فالسجينات، برأيها، "بأمسّ الحاجة للدعم النفسي".

كما أشارت إلى أن "الرسم معادل للكلام في العلاج النفسي، لذلك كانت تجربة الرسم مبهرة خصوصاً لدى السجينات المنغلقات على أنفسهن، ويرفضن الكلام والبوح".

ولفتت إلى أن "السجينة لا تدرك معنى التحليل النفسي وكيف يمكن له أن يساعدها في معرفة نفسها أكثر، ومواجهة مشاكلها وإمكانية تخطيها ومعالجتها، هي تظن أن البوح نوع من الاستسلام، وإن الكلام قد يضر بها قانونياً، لذلك تفضل السكوت".


لوحة عند باب الخلود لفان غوغ رسمها قبل انتحاره بأيام ومقابله رسم السجينة (العربي الجديد) 



"يسهل علاج ومساعدة السجينة التي تعترف بذنبها، أو تطلب المساعدة"، بحسب ريّا، "على عكس السجينات الرافضات للدعم النفسي وإعادة التأهيل، لعدم ثقتها بنا وبما نفعله، فبناء الثقة بين المعالجة النفسية والسجينة يتطلب وقتاً، ومهمتنا لا تنجح من دونها".

وبيّنت أن "تفاعل السجينات مع الرسم والألوان ساهم في تفريغ شحنات الطاقة السلبية لديهن، لذلك كان المشروع بمثابة علاج نفسي، أتاح لهن المتعة والتفاعل، والتعبير عن الأفكار والمشاعر وتفريغ المكبوت منها".

ورأت نرجس في الرسوم والألوان، تعبيراً واضحاً عن مشاكل السجينات النفسية من اكتئاب، ورغبة بالعزلة والانزواء، والمشاعر الناتجة عن الصدمة، وحالات التفكك الأسري والطفولة الصعبة التي أدت بهن إلى الإدمان والقتل والسرقة، وغير ذلك.


رسم للفنان النرويجي إدوارد مونك يعبر عن الفراق نقلته إحدى السجينات بطريقتها(العربي الجديد) 




الرسم يصل بالإنسان إلى خامته الصافية


"الرسم قادر على الوصول بالإنسان إلى خامته الصافية، لو أطلق العنان لمشاعره ووضعها على الورق بصدق"، هذا كان رأي الفنانة التشكيلية عفه مسيلب، التي اختارت أربع موضوعات للرسم مع السجينات، هي الأمومة والحب والكبت الجنسي والكآبة.

التعاون بين الرسامة التشكيلية والمعالجة النفسية كان أمراً لا بد منه، ومن هنا جاء اختيار مجموعة لوحات لرسامين مشهورين أمثال فان غوغ، وإدوارد مونخ، وغوستاف كليمت وغيرهم من الذين عُرفوا بمشاكلهم وأزماتهم وأمراضهم النفسية، والتي حاكت إلى حدّ ما مشاكل السجينات ومعاناتهن.

جلسة الرسم الأولى كانت تعبيراً حراً، فالأم رسمت ابنها، والمشتاقة رسمت حبيبها، والنرجسية رسمت نفسها، والراغبة بالانتقام رسمت بالأحمر والأسود، والكتومة اكتفت برسم الطبيعة. أما الجلسة الثانية فكانت نقلاً لرسوم، اختيرت لتساهم في دعمهن نفسياً.

ليس لدى السجينات أية خلفية فنية، ولم يسبق لهن الرسم واستخدام الألوان، لكن المدهش أن كل سجينة اختارت الرسم الذي طابق مشكلتها وحالتها النفسية من دون أن تدري.


لوحة الأمومة للرسام النمساوي غوستاف كليمت مع رسم السجينة التي عبّرت عن شوقها لابنها(العربي الجديد) 



ورشة الرسم، التي استمرت على مرحلتين، كانت مصدر فرح وطاقة للسجينات والمشرفات على حدّ سواء، وعبّرت الرسامة عفه عن ذلك بقولها: "التجربة كانت حالة إنسانية بحتة، أوصلتني إلى قمة سعادتي، وأوصلت السجينات إلى خامة الإنسان في أعماقهن، واختبرتُ خلالها العطاء بلا حساب، وشعرت بانفعالات السجينات الصادقة".

وتأكدت مسيلب بعد انتهاء المشروع أن "الرسم قادر على علاج مشاكل البشر النفسية، ورغم ذلك نهمشه في مجتمعاتنا"، مشيرة إلى أن "الرسم ليس حكراً على دارسي هذا الفن، أو البارعين به، فكل إنسان يمكنه أن يرسم لو تفلت من وعيه لحظة الرسم، ووضع على الورق أحاسيسه ومشاعره بدون قيود".


رسم الصرخة للفنان إدوارد مونخ  يقابله رسم السجينة المعبر عن حالها(العربي الجديد) 



التجربة على فوائدها وتميزها لا تكفي وحدها إن لم تستكمل بمشاريع شبيهة وأخرى رديفة ودائمة. وملف السجون وواقع السجينات في لبنان يزيد ويعمق مشاكلهن النفسية، لذلك تبقى مشاريع الجمعيات، على أهميتها، خطوة ناقصة، من دون خطة حكومية جدية تعيد تأهيل الإنسان خلف القضبان.

يشار إلى أن ريع المعرض السبت المقبل سيعود للسجينات، وإن جمعية دار الأمل ستنقل التجربة إلى سجن بعبدا، ليصار إلى تعميمها لاحقاً.



دلالات

المساهمون