الفنّ العربيّ وتسطيح العنف ضدّ النساء: هذه ليست كوميديا

03 سبتمبر 2019
الصورة
أبطال فيلم "ولاد رزق 2" (يوتيوب)

عندما سقطت هالة الرومانسية عن الفنان اللبناني وائل كفوري قبل أسبوعين، إثر انتشار تسريبات وأخبار عن تعنيفه وضربه لطليقته أنجيلا بشارة بشكل متكرّر، كان أوّل الواقفين إلى جانبه، فنان لبناني آخر هو ناجي الأسطا. وهذه ليست صدفة. لعلّ الأسطا لم يجد في ضرب كفوري لزوجته ما يستدعي كل هذا الهجوم عليه. هو الذي حصد شهرته الواسعة من أغنية "كبرانة براسها" (2012 ــ كلمات منير بو عساف، وألحان هشام بولس، وتوزيع داني حلو). نجاح الأغنية إياها رافقه جدل كبير، بسبب استخدام عبارة "الكفّ ملبّع عَ خدّها"، وتجسيدها بشكل حرفي في الفيديو كليب، حيث تظهر حبيبة الأسطا وهي تتعرّض للضرب العنيف على وجهها.

عبثاً حاول الأسطا إعطاء أغنيته بعداً "مجازياً"، إذ أعاد الكَرّة نفسها في أغنية أخرى هي "إيه نعم" (2015 ـ كلمات وألحان فارس إسكندر وتوزيع عمر صبّاغ) التي يهدّد فيها زوجته في حال اختلفت مع والدته أن "يمحيها من الدني" (يخفيها من الوجود).

ناجي الأسطا، جزء صغير (وهامشيّ رُبمّا) من منظومة متكاملة ومتشابكة المصالح، تسيطر على الإنتاج الفني العربيّ، الشعبيّ بشكل خاص. تصنع الصورة التي على المرأة "الصالحة" أن تكونها، وتنشرها بألحان وإيقاعات ومشاهد تمثيلية، تجعل منها مادة ترفيهية. إن بدأ التعداد لن ينتهي: محمد إسكندر (أغنية جمهورية قلبي)، تامر حسني (أغنية سي السيد)، بلاك تيما (أغنية إيه يعني)... هذه عيّنة حديثة من الأغاني، التي تخاطب المرأة انطلاقاً من المكتسبات الذكورية المكرّسة اجتماعياً وقانونياً، والتي تعطي للمغنّي وكاتب الأغنية، حقّ المعايرة، وحق المحاكمة، وحق تقرير المصير.

الدائرة المغلقة لهذا الخطاب التأديبي، تشمل فنانين وفنانات عربا على حد سواء. ألم تعتبر العراقية شذى حسون قبل أشهر قليلة أن قتل بطلة مسلسل " خمسة ونص" من قبل زوجها في الحلقة الأخيرة، عقاب مستحقّ لها بسبب خيانتها له؟ ألم تطلّ علينا اللبنانية نادين نسيب نجيم بتصريح إعلامي واثق عن حرية الرجل بالقيام بعلاقة جنسية قبل الزواج، وعدم السماح بذلك للنساء "حفاظاً على شرفهنّ"؟ ألم تقل نجوى كرم إنّ طليقها يوسف حرب، صفعها مرة، وكانت صفعة مُستحقّة؟

شرف النساء إذاً، يحدّده كُتّاب سيناريو ومخرجون، وشعراء معدومو الموهبة في أكثر الأوقات، فيرسمون ملامحه وفق أساطير حاكتها وغذتها الموروثات الاجتماعية عبر قرون. هل تذكرون عمرو أديب وهو "يحقّق" مع رانيا يوسف في برنامجه "الحكاية" على شاشة "أم بي سي مصر" بعد أزمة فستانها الشهير؟ يكيل لها الاتهامات، يشكّك في روايتها ثمّ يطلب منها أن تنتبه لبطانة فساتينها في المرات المقبلة.

تهيّئ كل هذه الإنتاجات الفنية، الأجواء لاستقبال العنف ضدّ النساء والتطبيع معه، بوصفه المسار الطبيعي، والبديهي الذي يحكم علاقة الرجل بالمرأة العربية. فقبل أسابيع قليلة، ومع بدء عرض الجزء الثاني من فيلم "ولاد رزق: عودة أسود الأرض" (2019 ـ إخراج طارق العريان) انتشر مقطع صوّره أحدهم عبر هاتفه من داخل صالة السينما، يظهر بطل العمل الممثل المصري أحمد عزّ، وهو يصفع زوجته نسرين أمين، بعدما طلبت منه الطلاق ويشتمها. تمت مشاركة المقطع على مواقع التواصل باعتباره أطرف المشاهد في الفيلم. فغالباً، وبشكل شبه ساحق يتمّ التعامل مع العنف بوصفه فعلاً رومنسياً، أو فعلاً مضحكاً، وهو ما ترسّخه الأدوار التي تكتب للنساء المعنفات، من خلال ردود فعلهنّ.

يتطوّر هذا العنف المقبول اجتماعياً، ويتحوّل إلى قتل للنساء. جرائم تتبارى وسائل الإعلام العربية لتبريرها قبل إدانتها، ويتبارى بعض الفنانين للتخفيف من وطأتها. هذا ما فعلته الفنانة اليمنية بلقيس، بعد عملية قتل الشابة الفلسطينية إسراء غريب. إذ لامت أشقاء الضحية على قتلها، بينما كان يجب تأديبها ضرباً فقط. أما الصحف والقنوات فغالباً ما تتعاطى مع هذه الجرائم بوصفها عمليات قتل، بأسباب وخلفيات مفهومة. يظهر ذلك مثلاً في تغطية الصحف المصرية (على سبيل المثال) لجرائم قتل رجال لزوجاتهم، فتبرز تبريرات الخيانة أو التمرّد عند المرأة للتغطية على فعل القتل. أما في لبنان، فلا تزال حلقة برنامج "عاطل عن الحرية" (يوليو/تموز 2018) مع زوج الضحية منال عاصي، حاضرة كمثال على إعطاء القاتل مساحة لتبرير جريمته تحت رواية شبه موحّدة ومكررة، هي خيانة المرأة للزوج العاشق.

يتقاسم الفنانون والإعلاميون الدور، في لعبة أخذ وردّ، غير مقصودة في أغلب الأحيان، لكنّ نتائجها النهائية تتماهى بشكل كبير. فمن تجرأ على مهاجمة سعد لمجرد عند اتهامه بسلسلة جرائم عنف جنسي في باريس؟ من سأل وائل كفوري عن ضربه لأنجيلا بشارة، وتعنيفها لفظياً وحجبها عن الحياة العامة لأكثر من عشر سنوات؟ لا أحد. مقالات وتصريحات فقط عن "ملك الرومانسية"، و"أمير الأحزان" وعن شهامته وأخلاقه وتاريخه الناصع. أما ضحايا العنف فيوصفن بالـ"عاهرات" بشكل أوتوماتيكي.

"ملك الرومانسية" نفسه الذي ساهم بأغانيه بخلق صورة متخيلة وأسطورية عن المرأة المثالية، المترفعة عن الشهوات الجنسية، والخاضعة بحبّ لرجلها. انضمّ كفوري بأعماله إلى موسوعة لا متناهية من الأعمال التي رسمت للمرأة حدوداً تتنقل بين خطوطها، فلا تتعداها وإلا سقطت مجدداً في وصم "العاهرة" التي تستحق الرجم حتى الموت.

يعطي الفنّ العربي مبرراً للعنف، يبسّطه ويجعل منه مادة للتهكم والضحك. وسط هذه القهقهات يستمّر تساقط النساء العربيات، وتستمر أرقام المعنفات العربيات بالارتفاع.