الفنون في قطر: مسرح وموسيقى ودراما تتخطى الحصار

18 سبتمبر 2019
الصورة
من أوبريت "وطن واحد" (مركز شؤون الموسيقى)
ساهم الحصار الذي فرضته كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، على قطر منذ 5 يونيو/ حزيران 2017، في تنشيط الحركة الفنية والمسرحية والدرامية. وأكد فنانون قطريون، في حديث إلى "العربي الجديد"، أن الحصار وضع الفنان أمام التحدي الذاتي قبل أن يتحدى الآخرين، فظهرت أعمال مسرحية حظيت بإقبال جماهيري واسع، وقُدمت أغان تزخر بحب الوطن، وولدت في قطر فئة جديدة من موسيقيين وممثلين ومطربين وفنانين.

على الخشبة
يقول مدير مكتب شؤون المسرح، التابع لوزارة الثقافة والرياضة القطرية، الفنان صلاح الملا، لـ"العربي الجديد"، إنه بالرغم من أن الاستراتيجية والأهداف المرسومة بالنسبة للحركة المسرحية بالتوجه نحو المجتمع وتوطيد العلاقة معه، وضعت قبل الحصار، إلا أن الحصار كان دافعاً للعمل بخطوات أسرع وأقوى لتحقيق هذه الأهداف، لافتاً إلى أن الحالة التي وصلت إليها الحركة المسرحية حالياً، كان مخطّطاً لها أن تنجز خلال خمس سنوات، وتتضمن تفعيل المسرح المدرسي ومسرح الطفل والمسرح العام.

يضيف: "عندما بدأ الحصار، أصبح التركيز وتحمّل المسؤولية أكبر، نظراً إلى تغير المعطيات، وقد عاد أكثر من فنان إلى خشبة المسرح، وقدموا أعمالاً بعد انقطاع لسنوات، وكل ذلك بدافع الحصار"، موضحاً أن هذه الحالة لا تقتصر على الحركة المسرحية والفنية، وإنما شملت جميع القطاعات من الاقتصاد إلى الرياضة، ووصلنا إلى آلية مختلفة لتحقيق الأهداف والاعتماد على النفس بشكل كبير.

قُدّمت خلال الموسم المسرحي الأول من بدء الحصار(2017 - 2018) سبعة عروض مسرحية للكبار، وثلاث مسرحيات للأطفال، وشهدت خشبة مسرح قطر الوطني في سبتمبر/أيلول 2017، عرض المسرحية الكوميدية الاجتماعية "الحصار"، إذ تناولت أثر الأزمة من منظور أخلاقي وإنساني وأسري، بعد أن مُزّقت الأسرة الخليجية. كان العمل بمثابة رسالة رصينة إلى أهالي قطر، مواطنين ومقيمين، للتكاتف واستثمار الأزمة من أجل تحقيق مستقبل مشرق للبلاد. أما في الموسم الثاني (2018 - 2019)؛ فعُرضت 12 مسرحية، خمس للكبار، وسبع للأطفال، بحضور أكثر من 32 ألف مشاهد لمختلف العروض.

مع مطلع يناير/ كانون الثاني 2018، وبعد غياب نحو 10 سنوات، عاد صاحب "أمجاد يا عرب"ـ الفنان القطري غانم السليطي، بمسرحية "شللي يصير!؟"، ولاقت إقبالا جماهيريا كبيرا، عبر 30 عرضا متواصلاً، في حالة لم تحدث في تاريخ المسرح القطري، منذ عام 1998.
يؤكد الملا أنه وبعد مرور أكثر من عامين، تجاوزنا حالة الحصار. التوجه الآن نحو طرح المواضيع الاجتماعية. صحيح أن الحصار هو الحاضر في الكثير من المشهد الفني بشكل غير مباشر. لكن لم يعد الأهم، فالتصاق المسرح بالمجتمع هو الأولوية في المرحلة الحالية ومستقبلا.

يرى الممثل والمخرج القطري، ناصر عبد الرضا، أن الحصار كان خيراً على الشباب القطري عامة. يقول: "كنا في قطر قبل 5 يونيو/ حزيران 2017، نستقطب فنانين من خارج البلد ليحيوا الحفلات والأفراح، أما منذ عامين اعتمدنا على شبابنا". يتابع: "خلال الحصار الجائر، ولدت في قطر فئة جديدة من موسيقيين وممثلين ومطربين وفنانين، ومنهم على سبيل المثال فيصل رشيد وعبدالله العسم ومحمد الصايغ وغيرهم، الذين تألقوا في الأعمال الدرامية والمسرحية والفنية التي شاركوا فيها في ظل الحصار".

يلفت عبد الرضا خلال حديثه إلى "العربي الجديد"، إلى أن العروض المسرحية التي قدمت خلال أكثر من عامين من الحصار، عكست الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يعيشه أهل قطر، وهذا هو الشيء الطبيعي؛ فالمسرح والفن الناجح هو انعكاس للواقع.
يذكر أن مسرحية "بائعة الكعك" التي أخرجها ناصر عبد الرضا، جمعت 42 ممثلا على المسرح، وفازت بأفضل عرض مسرحي في المهرجان العربي لمسرح الطفل في دورته التي أقيمت في الكويت خلال مايو/أيار 2019.

لغة الشعوب
في سياق آخر، يقول مدير مركز شؤون الموسيقى التابع لوزارة الثقافة والرياضة القطرية، خالد السالم، لـ "العربي الجديد"، إن فرض الحصار على قطر وشعبها من قبل جيران، مثّل سابقة ولم يكن متوقعا، فكانت ردة الفعل طبيعية من قبل المشتغلين بالفن والدراما والمسرح، ومنها الحركة الموسيقية، مشيراً إلى أن الحصار أفرز جوانب إيجابية على صعيد الحركة الفنية في قطر، التي نشطت بشكل ملحوظ في مختلف المجالات.

عن رأيه في تورط مطربين خليجيين بتقديم أغان تسيء لقطر، يقول السالم: "صدرت هذه الأعمال بمستوى فني متدن جداً على مختلف المجالات"، مؤكداً أن الأغاني والأعمال الموسيقية القطرية التي أنتجت تحت الحصار، لم تكن رداً على تلك الأعمال الهابطة، بل كانت تجسيداً فنياً لمشاعر كل مواطن نحو بلده.

وتجسيداً لوحدة نسيج الوطن، وإيمانا بأهمية وتنوع الإرث الثقافي لدى الجاليات المقيمة على أرض قطر، أطلق المركز في نهاية العام الماضي، مهرجان "الموسيقى لغة الشعوب"، وشارك فنانون قطريون ويمنيون وسودانيون، وقدمت الدلعونا الفلسطينية، والفلكلور السوري.
يهتم مركز شؤون الموسيقى بكل ما يُسهم في إبراز الإبداع القطري في الموسيقى والغناء. يشير السالم إلى أنه قبل نحو أربعة أشهر، نظم المركز حفل زفاف سفير بنما لدى قطر، أوريست ديل ريو ساندوفال، على طريقة العرس القطريّ التقليديّ، وقدمت العرضة وفقرات من الفنون الشعبية، وارتدى السفير البنمي الثوب القطري والعقال والغترة والبشت. بالنسبة إلى السالم، كان الحفل فرصة فريدة لإبراز جماليات الموروث الشعبي القطري، أمام سفراء أكثر من 30 دولة وشخصيات ومدعوين من جنسيات مختلفة.

حول الفعاليات القادمة، فأعلن السالم عن تنظيم ليلة الأغنية القطرية بعنوان "زهرة الصحراء" بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وتتضمن أغاني ومعزوفات لفنانين وملحنين قطريين، كما ستحفل بأغان تجسد حب قطر.



الملحن القطري، مطر علي الكواري، قدم أكثر من 15 عملا فنياً خلال الحصار، واعتمدت الأغاني على الكورالات، وشارك في "أبشروا بالعز والخير" 21 فناناً، كما لحن أوبريت "وطن واحد"، وكان هدية من قطر للكويت في يومها الوطني.
يشير الكواري إلى تكاتف المطربين والفنانين، كما وقف الشعب القطري عموماً في وجه الحصار، وعبروا عن انتمائهم لبلدهم. خلال الأيام الأولى للحصار الجائر، تداعى مبدعون قطريون، وخرجوا بـ"أوبريت وطني"، شارك في كتابته وتأليفه عشرة شعراء، وقدمه مجموعة من المطربين القطريين، من بينهم عيسى الكبيسي، وغانم شاهين، وأحمد عبد الرحيم، وسعود جاسم وغيرهم.



ينسحب هذا، أيضاً، على الدراما والمسلسلات. فقد انطلق الشهر الماضي في الدوحة تصوير مسلسل "الحي العربي". حول أهمية العمل، يقول مخرج ومنتج المسلسل، ناصر الدوسري، في تصريح سابق لـ"العربي الجديد"، إن قطر محاصرة من قبل أربع دول عربية منذ 5 يونيو/ حزيران 2017، وهي اليوم تجمع فنانين من مختلف الوطن العربي، هي قطر وسورية وعُمان ومصر وغيرها. يتناول المسلسل الحياة الاجتماعية اليومية، مع كوميديا خفيفة، وهي كوميديا الموقف، لا السخرية.

دلالات