الفلسطيني كعِبء عربي: إعادة إنتاج مزاج المُشاهد

02 مايو 2020
الصورة
يشارك ممثلون عرب في مسلسل "فوضى" الإسرائيلي (نتفليكس)
يشغل ملف التطبيع الفني والثقافي الساحة الفلسطينية منذ عقود طويلة. لكن في السنوات الأخيرة اتخذ هذا الموضوع بعداً أكثر تعقيداً مع مشاركة فنانين عرب في أعمال إسرائيلية، وآخر هذه النقاشات كانت عام 2018، مع دعوة الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل، إلى مقاطعة مسلسل "فوضى" على "نتفليكس" ودعوة الممثلين الفلسطينيين والعرب الآخرين المشاركين فيه إلى الانسحاب منه.

نقاش يتكرّر بشكل كبير، خصوصاً في الداخل الفلسطيني. لكن هذا العام توسّع بعد بدء عرض مسلسلات خليجية تدعو إلى التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ككيان طبيعيّ بين الدول العربية. فجاءت هذه الأعمال الدرامية لتكمل مسيرة بدأت بخجل في السنوات الأخيرة عبر التطبيع الرياضي والعلمي... لكن هذه المرة وبشكل أكثر مباشرة، من خلال طرف الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي كصراع بين قبيلتين آن له أن ينتهي. نتحدّث هنا بشكل خاص عن مسلسلَي "أم هارون"، و"مخرج 7". إذ على سبيل المثال تضمّن "مخرج 7" حواراً بين الممثلين ناصر القصبي وراشد الشمراني، يدعو فيه الأخير إلى التطبيع مع إسرائيل ويعيد فيه تساؤلات انتشرت في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي بشكل مريب حول جدوى التمسك بالقضية الفلسطينية. وقد أثار هذا المقطع وغيره من العبارات غضب الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي، فدعوا إلى مقاطعة المسلسل، ومعه شبكة MBC.

أستاذ الإعلام في معهد الدوحة نواف التميمي أكّد في حديث لـ"العربي الجديد" أن "الإعلام الأصفر الذي يروّج لإسرائيل كأمر واقع في المنطقة هو ذات الإعلام الذي يدعم الأنظمة الشمولية التي تغتال الصحافيين وتطارد ناشطي حقوق الإنسان من الإسلاميين والليبراليين على حد سواء". وأضاف "إنّ هذه الأموال التي أنشأت منصات إعلامية مرئية وإلكترونية لاستقبال إسرائيل في المجال العربي كحليف، هي ذاتها التي تموّل منصات إعلامية لنشر الطائفية البغيضة...".

أما الأسير المحرر والروائي عصمت منصور فيشير إلى "أن الجبهة الثقافية والفنانين والنخب كانت دائمًا الخندق الأمامي في مواجهة التطبيع مع إسرائيل، وهذا ما شاهدناه في مصر والأردن اللتين وقعتا اتفاقي سلام مع إسرائيل. كان موقف الفنانين داعما للحقوق ومنحازا للشعب الفلسطيني وفكرة الخلاص من الاحتلال ومعاديا للعنصرية، إلا أن هذا الأمر بدأ يتراجع وبتنا نلمس إثارة أسئلة وعلامات استفهام حول جدوى اللاتطبيع".

ورأى الكاتب والروائي الفلسطيني أمير داوود أن أخطر أشكال التطبيع تلك المقدمة في السينما والتلفزيون ويشير في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أنّه "لعل أهم وأخطر أعمدة التطبيع، وتحديداً تلك المتسلّلة عبر السينما، أنها تنزع عن القضية الفلسطينية بعدها الأزماتي، بمعنى أنه في حال انتفاء هذا البعد، لا تصبح قضية، تصير شيئاً عادياً يمكن تناوله بكل الهدوء. لا يكتفي هؤلاء بنزع هذا البعد عنها بل هناك إمعان بقولبتها وكأنها قضية باردة، طبخة على مائدة، أو لعبة في الشارع". وأكّد أن "نزع القضية من سياقها هو مدخل العملية التطبيعية من أجل استدعاء مادة مشوهة، تعيد إنتاج مزاج المشاهد، أو تشوه وجدانه. مشكلة التطبيعي السينمائي الأخطر أنها تريد أن تلعب في مكونات هذا الوجدان، عبر تقديم مواد مشوهة عن القضية الفلسطينية، وأنسنة عدو هذه القضية بتقديمه كند إنساني صاحب حجة يجب الاستماع لها، وأخيراً تلقين المشاهد بمادة تدين الفلسطيني، وتضعف موقفه بل وتضعه في زاوية الاتهام، يتحول الفلسطيني أمامها إلى شخص أو شعب يبرر سرديته بدلاً من انشغاله بصناعة روايته الكبرى وتجديدها وتقديمها".
تعمل إذاً الدراما التطبيعية على تغيير صورة الفلسطيني، وتحوّله إلى عبء عربيّ، أو متهم بحاجة إلى الدفاع عن روايته، وهذا تحديداً ما يجعل من "التطبيع خيانة" وفق الفنان التشكيلي منذر جوابرة. إذ أكد هذ الأخير أن التضخيم والمتابعة الإعلامية المتورطة في دعم مشروع التطبيع "وإن كانت قلة إلا أنها تشكل تأثيرًا مرعبًا على مستويين: الأول ما يروّج له من تدحرج نحو التخاذل والرجعية والتخلف السياسي والوطني، والثاني متعلق بالتأثير المجتمعي عبر تفكيك الترابط بين الشعوب بالاتهامات المتبادلة وتعميم الاتهام، ولا شك أن ذلك كله يخدم المشروع العنصري الصهيوني".

الصحافي الفلسطيني محمد الشوبكي من جهته قال في حديث لـ"العربي الجديد" إن "تفاهات وترهات قناة MBC تعكس المزاج لدى الأنظمة في بعض دول الخليج ولا تعكس مشاعر الشعوب في تلك الدول تجاه القضية الفلسطينية، فهذه الشعوب محيدة ومغلوب على أمرها ويجمعها مع الشعب الفلسطيني نفس الهم، وعليه لا ينبغي إطلاق العنان للشتم والسب والقذف من الفلسطينيين تجاه السعوديين على وجه الخصوص". وأضاف "اختيار الكويت لتكون مسرحًا للقصة وأقصد مسلسل أم هارون، هو اختيار مقصود بذكاء ماكر يهدف لضرب الدولة التي ترفض التطبيع وترفض استقبال أي اسرائيلي عكس دول الخليج، لكن على العموم لا تستطيع هذه القناة تزييف الرواية والتاريخ بمجرد الإنشغال في الدعاية للوهم الإسرائيلي".

وبعيداً عن مواقف الفنانين والمثقفين، كانت حركة حماس قد أصدرت بياناً على لسان الناطق باسمها عبد الحكيم حنيني عبرت فيه عن رفضها جملة وتفصيلًا محاولات التطبيع الثقافي الذي تقوم به جهات عربية مع الاحتلال والدعوة له. ودعت الجماهير للرد على دعوات التطبيع ووقف عرض "مسلسل زرع العداوة في عقول أبناء الأمة ضد فلسطين والقدس".
أما حركة الجهاد الإسلامي فنددت على لسان الناطق باسمها داود شهاب، بتقديم أعمال درامية "تحاول خلخلة الوعي العربي بالترويج للرواية الإسرائيلية حول أصل الصراع مع الفلسطينيين".

وأعربت الجهاد الإسلامي عن ثقتها في أن "الشعوب العربية شعوب أصيلة لا تقبل أبدا بالتبعية ولا استبدال القيم ولن تستسلم أمام قوة تيار المطبعين".
من جانبها، اعتبرت الجبهة الشعبية أن هدف هذه الأعمال هو الترويج للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وتحسين صورته في مقابل شيطنة الفلسطينيين ضمن خطة أميركية تشن على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

كذلك أصدرت حركة فتح بياناً على لسان الناطق باسمها نبيل أبو ردينة دعت فيه الجميع إلى نبذ الفرقة، مؤكدة "أنها لن تسمح لأحد أياً كان بدق إسفين بين الشعبين الشقيقين، السعودي والفلسطيني، داعية إلى تفويت الفرص على كل من يريد الإساءة إليهما".
وكان وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية عاطف أبو سيف أكد أن ظهور بعض المسلسلات التي تسيء إلى الرواية القومية العربية عن الصراع في وجه سرقة فلسطين، يشكّل تساوقاً وانجرافاً وراء مقاصد الاحتلال وتطبيعاً معه ومع روايته.


دلالات