الفلسطينيون ونظام الأسد.. للتاريخ ولكي تعرف الأجيال

الفلسطينيون ونظام الأسد.. للتاريخ ولكي تعرف الأجيال

30 يونيو 2014
الصورة

دمار في مخيم اليرموك جراء قصف النظام السوري (مارس/2014/Getty)

+ الخط -
 يعجب واحدنا، حين يلاحظ ميلاً من أي طرف عربي، إلى تأييد نظام بشار الأسد في سورية. لكن بعض عاطفة الميل، عندما تتبدّى من فلسطينيين، فصائليين أو رسميين أو مثقفين؛ ترفع العجب إلى سوية الاندهاش، لأن هذا النظام لم يدع شيئاً لم يفعله، لكي لا تكون هناك كيانية فلسطينية، ولكي لا تكون هناك حرب تحريرية، أو عملية تسوية تستند إلى مواضع القوة العربية وزخمها. وفي سياقه هذا، لم يتورّع عن القتل، ولا عن التحالف مع قوى صديقة لإسرائيل، ولا عن ممارسة الدسيسة ضد حركة التحرر الفلسطينية في العالم العربي، ولا عن شق المؤسسات الفلسطينية لمنظمة التحرير، لكي يصبح جيش التحرير جيشين، واحد له والآخر لفلسطين، ويصبح الاتحاد العام للكتاب والصحافيين اثنين، واحد له والآخر لفلسطين، وهكذا اتحادات الفلاحين والمهندسين والأطباء وسائر الاتحادات التي تمثل، مجتمعةً، القاعدة الشعبية النوعية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كذلك يكاد لم يفلت ناشط فلسطيني، من القادة والساسة والكوادر العسكرية والنقابية، من السجن السوري، مادام يعمل في فضاء النفوذ السوري. ومن المفارقات الطريفة أن هذا النظام لم يكتف بمن يوجدون من الفلسطينيين، في مساحات نفوذه، وإنما أعدّ قوائم انتظار، في مطار دمشق، لمن لا يُتوقع وصولهم. وحدث، مرة، أن المرحوم فيصل الحسيني كان متجهاً إلى موسكو، على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية، ففوجىء بأن هناك ليلة توقف وانتظار في مطار دمشق، فأرسل له مكتب "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" مندوبه لدى سلطات المطار، لكي يؤمن له مبيت ليلته، ليُفاجأ المندوب الفلسطيني بأن هناك أمر إلقاء قبض على فيصل الحسيني في أي وقت تطأ فيه قدماه أرضاً سورية، ما اضطر مندوب "الجبهة" إلى مهاتفة المرحوم جورج حبش، الذي هاتف حافظ الأسد، لكي يأذن للرجل بالرحيل على أية طائرة!

سجون وفظائع ووقائع

من المفترض ألا يكون المحيطون بأي قدر من وقائع التاريخ القريب في حاجة إلى من يذكّرهم بمحطاتٍ من صفحات العلاقة بين النظام السوري والحركة الوطنية الفلسطينية. ذلك لأن أصل العلة، في جفاء بعضهم ثورة الشعب السوري ضد نظامٍ، لا نظير له في الاستبداد والفساد، يستند إلى فرضية خاطئة، هي أن هناك طرفاً يصح أن يعتبروه أبشع وأقبح من النظام السوري، وهذا غير صحيح، على الرغم من كل دسائس "يوتيوب" ومقاطعها، وعلى الرغم من كل وقائع الشطط في ممارسات متطرفين من المعارضة. فكل هؤلاء، مهما فعلوا مجتمعين، لن يكونوا قادرين على إنتاج أنموذج يحاكي جهنم التي ظل يمثلها سجن تدمر على مدى ثلث قرنٍ وأكثر. بل إن مشاعر أكثر المتطرفين جنوناً لن تقوى على ممارسة تعذيبٍ يوميٍّ لإنسان، على امتداد عشرين عاماً متصلة، لمجرد كونه بعثياً من أتباع الحزب في بغداد، أو من الإخوان المسلمين الشباب، أو شيوعياً من جماعة رياض الترك، أو ناصرياً من حزب"الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي" الذي يتزعمه حسن عبد العظيم، أو من غير هؤلاء الذين يمثلون كل ألوان الطيف السياسي في سورية.

ياسر عرفات في بيروت 1982 


فعلى أي أساسٍ يُمتدح بشار الأسد فلسطينياً، ولأية غاية؟ ربما يكون الجواب مغرقاً في السذاجة، واختبرته الأحداث، وأكدت أنه فاقد للمعنى، وهو أن الهدف حماية الفلسطينيين في سورية. هنا، وبصرف النظر عن الخلل المبدئي، في تلفيق التعليل، وهو أن يرى عربي أن استثناء الفلسطينيين من مقتلة إخوتهم السوريين، فيه شفاء ونجاة لفلسطين. لندع هذا الخلل جانباً، ولنتأمل ما حدث للفلسطينيين في مخيم اليرموك، وفي السجون التي قتلوا فيها تحت سياط الجلادين. فعلى الرغم من مأساة الفلسطينيين المهولة، كان بعضهم ينسب الفظائع، أو أسبابها، حتى عندما يكون مرئياً ومعلوماً أن جيش الأسد هو الذي اقترفها؛ إلى مجرد وجود معارضةٍ مسلحةٍ في المخيم الواقع في قلب مساحة الصراع. فمن خلال الاتصال مع أي فلسطيني مشردٍ من مخيم اليرموك وسواه، يسمع الحقيقة، بينما المتعاطفون مع النظام، من الفلسطينيين، يؤيدون رواية النظام، وهم يعرفون أنه يتنفس كذباً في كل شيء.

حافظ الأسد واستهداف عرفات

حبذا لو توفر الدارسون على البحث في حقائق الرحلة الطويلة لياسر عرفات، ربان السفينة الكنعانية، والتقوا شهوداً ما زال كثيرون منهم أحياء يُرزقون. على هذا الصعيد، يجعلنا المقتضى السياسي والوطني الراهن في حاجة إلى أخذ تجربتين مهمتين للشهيد عرفات، أولاهما تجربته في الثورة المسلحة، والثانية تجربته مع العملية السلمية، ولماذا وكيف تعمد الطرف الصهيوني استهداف الرجل الذي جعل التسوية المتوازنة هدفاً استراتيجياً، علماً أن مثل هذه التسوية، في أفضل شروطها بالنسبة للفلسطينيين، ستحقق لكيان غاصب، قام على الباطل؛ شروط وجوده الآمن، وانخراطاً طبيعياً في المنطقة، وجيرة سلمية مع دولة ضحاياه، بمعايير ووقائع سفك الدم أو انتهاب الحق.
جورج حبش


من خلال البحث التفصيلي، سيرى الباحثون، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تصنيف النظام الأسدي ياسر عرفات نسخة كربونية من تصنيف إسرائيل له. كان حافظ الاسد، حتى وفاته، يرى في ياسر عرفات "عقبة ينبغي إزالتها". وكانت تلك هي رؤية المحتلين بالحرف وبالوصف.  فقبل أن يمسك حافظ الأسد بمقاليد الحكم في سورية، إثر انقلاب نوفمبر/تشرين الثاني 1970على الحزب، كان ياسر عرفات ودوره من نقاط التكاسر بين البعث ورجلٍ عسكريٍّ بعينه، قويٍّ ضمن مجموعته، هو حافظ الأسد نفسه. كانت القيادات المدنية (أطباء ومناضلون ضمن الخط اليساري من الحزب)، ومعها عسكريون ملتزمون بهذا الخط؛ تطمح إلى احتكار القضية الفلسطينية سياسياً وعقائدياً. أما حافظ الأسد، فكان يريد جعل المقاومة الفلسطينية ورقة في جيبه، تدعم خططه التكتيكية وطموحاته ودوره داخلياً وخارجياً.
فيصل الحسيني
من هنا، نشأ في سورية مبدأ الاستحواذ على الورقة الفلسطينية. ففي مناخ التماكر بين المراتب العسكرية وأفرعها، اعتقل ياسر عرفات، للمرة الأولى، بتهمة "التحضير لأعمال تخريبية"، بينما كان يفعل ذلك بموافقة رسمية. في ذلك السياق، كان ضرورياً للأسد أن يبلغ عرفات الذي تفاهم مع أحمد سويدان، أنه هو، وليس الأخير، صاحب القرار العسكري، وبالتالي، فإن ورقة "فتح" مطلوبة لجيبه هو!

أبو عمار، بدوره، وعلى امتداد خط زمني ملغم، تمسّك بمبدئه، وهو أن تبقى البندقية الفلسطينية، والقرار الفلسطيني تالياً، في وضعية الاستقلال التام عن جميع الأنظمة العربية، وأن تنأى الثورة الفلسطينية عن الصراعات بين هذه الأنظمة، وكذلك عن النزاعات الداخلية في كل قُطر!


يحتاج الباحثون (وإن كانت الأرشيفات العربية مغلقة) إلى دراسة وقائع المحاولات الأولى لاغتيال ياسر عرفات. جرت محاولات سورية كثيرة لتغييب الرجل، تقول المصادر إن أولاها كانت في العام 1966، وتلك رواية مختلفة عن حكاية اعتقال قيادة "فتح" الموجودة في سورية، في نوفمبر/تشرين الثاني 1966على إثر مقتل النقيب يوسف عرابي، البعثي الذي انضم إلى "فتح" مع مجموعة ضباط، لكي يسيطروا على الحركة!
أوقع التمسك النظام السوري بهدف السيطرة على القرار الفلسطيني ياسر عرفات في خصومة مزمنة معه. ولم يشفع للرجل لا نضاله، ولا صفته زعيم حركة تحرر، ولا أهمية دوره الدولي والإقليمي، ولم يغفر له حتى صموده. بالعكس، كان صمود ياسر عرفات في بيروت، في 1982 سبباً في مفاقمة كراهية النظام في دمشق له. فعلى الرغم من أن إسرائيل غزت لبنان، في أثناء التزام منظمة التحرير بوقفٍ لإطلاق النار؛ إلا أن الاجتياح بالنسبة لحافظ الأسد كشف عجز سورية ليس عن نجدة الثورة الفلسطينية وحسب، وإنما عن نجدة وإطعام قطعاتها العسكرية البرية على الأراضي اللبنانية. ولم يكن أبو عمار يقصد إغاظة أحد، عندما صمد وظلَّ يتجول في بيروت تحت القصف، وقدّم مراراً، بنفسه، المعلبات والذخائر والأغذية والخبز الساخن للجيش السوري. وعند مغادرته، انتقل إلى تونس. وفي انعقاد المجلس الوطني في الجزائر (فبراير/شباط 1983)، حاول الأسد من خلال فصائل تابعة، توفير السبب القوي لشق منظمة التحرير الفلسطينية وإنهاء ياسر عرفات سياساً. تغالظت، أيامها، لهجة التخوين التي ما ظلت مستخدمة طويلاً. كان المؤتمر يناقش ما سمي "مشروع ريغان للسلام"، وتوافق الفلسطينيون على رفضه، على أن يتركوا لياسر عرفات هامشاً للمناورة، بلغة فضفاضة.
هنا، فهم النظام السوري أن هذه مقدمة شراكة بينه وبين الراحل الملك حسين والأردن، وظن أنه لن ينال ما يطمح إليه، إن تلازمت الأردن وفلسطين. وسرعان ما خرجت من أقبية المخابرات العسكرية السورية حركة تمردٍ، استقوت بالسلاح السوري وبالقطعات العسكرية السورية، ووقعت،  قبلها، جريمة اغتيال جنرال الصمود في بيروت، سعد صايل، (27 /9 / 1982) لأنه ذو السطوة الكبيرة على الضباط المكلفين بالتمرد، والقادر على كبحهم. وقيلت، أيامها، مطولات تخوينية، وظن كثيرون أن "فتح" انتهت، وأن ياسر عرفات راح إلى الأبد. قُصفت المخيمات، وسُفك دم الفلسطينيين، ووضع المسلسل الذي شهد، بعد عامين، مأساة انقضاض حركة "أمل" الدامي على المخيمات الفلسطينية في بيروت، ذكّرت الشعب الفلسطيني بمأساة مخيم "تل الزعتر" التي انتهت فصولها (12 /8 /1976) في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية وبدور الجيش الأسدي في ارتكاب المجازر وتصفية المخيم.


المهم، أدهش أبو عمار حافظ الأسد، بالانتقال وسط تلك المعمعة، إلى سورية نفسها، تحت عنوان وفاقي، لكي يضمد الجراح ويجمع المُضَلَلين. وكان عرفات رتب علاقة مع رفعت الأسد، شقيق حافظ، الذي كان في ذروة قوته، فاتكأ عليها في زيارته تلك. المهم، بعد أن أعد أبو عمار موكبه للانتقال من دمشق إلى طرابلس، لكي يُهدئ الأوضاع، في أثناء الهجوم على المدينة، لم تقع عليه عين، لكي تعرف هل استقل السيارة، أم نزل تحت الأرض. كان ظاهر الأمر، أنه خرج مع الموكب. تحرك الجميع من دمشق، وفي وسطهم سيارة الزعيم الفلسطيني (23 /6/ 1983)، وفي الطريق كان الكمين في الانتظار، وربما هو نفسه الكمين الذي نفذ عملية اغتيال سعد صايل. انهالت قذائف الآربجي وزخات الرصاص على السيارة، ثم تبين أن عرفات لم يكن فيها. ظهر الرجل فجأة، عندما دخل إلى الصالة التي ينعقد فيها مؤتمر الأدباء العرب في دمشق، لكي يلقي خطاباً حماسياً مزدحماً بعباراته المتكررة، التي كلما أعادها بنبرته، بدت كأنها تُسمع للمرة الأولى!

لم يتبق أمام الأسد، آنذاك، سوى الطرد الفصيح، لكي يتعامل مع ظاهرة عرفات عن بُعد. أُمرت طائرة الخطوط التونسية بأن تؤخر إقلاع رحلتها المنتظمة. كانوا، لحظتئذٍ، يضعون اللمسات الأخيرة لصيغة إبلاغه بأمر الطرد، وتحديد مستوى الذين سيكلفون بإبلاغ ياسر عرفات بالقرار، ومن ثم أخذه فوراً إلى المطار. ويروي الصحافي البريطاني، ألان هارت، المتخصص في "بانوراما الشرق الأوسط"، في كتابه "عرفات" أن القائد الوطني الكبير، جورج حبش "الحكيم"، كان في وداع أبي عمار في المطار، وعند الفراق، تعانق الرجلان، وهمس حبش في أذن عرفات: يا الله يا أبو عمار، إن كنت أنت بتطلع هيك من الشام، والله ما باعرف كيف أنا بدي اطلع.. يمكن في كفن"!

كان ذلك قبل أن يُلقي الحاوي بأعجوبته التالية: الظهور فجأة في قلب طرابلس، وفي يوم العيد، كأنما حركته كانت ضمن تقاليد المعايدة المعتادة بين المقيمين في المدينة. بدا رابط الجأش، وانطلقت التحليلات والتوقعات، فأكّد مؤرخ "الأسدية"، باتريك سيل، أن الرجل أدخل نفسه بنفسه إلى المصيدة: إسرائيل تحاصر من وراء، والنشامى من أمام. اختلفوا يومها على عدد الأيام التي تبقت لياسر عرفات من الدنيا. باتريك سيل لم يعطه غير ساعات، يتلقى الفلسطينيون بعدها النبأ الفاجع. أما الأسد نفسه فقدرها بثمانية أيام مقسمة إلى أربعتين، واحدة لمخيمات شعبه، وواحدة لياسر عرفات ومن معه!

ياسر عرفات وحافظ الأسد 1989 


أخطأت التوقعات، وأمضى الزعيم الفلسطيني والقائد أبو جهاد ثلاثة أشهر، في إدارة معركة الدفاع عن الثورة وعن المخيمات وعن القرار الفلسطيني وعن أهل طرابلس. وتكشفت، أيامها، الأمور، إذ بقي المنشقون الدُمى، والفصائل الدُمى، خارج دائرة الاتصالات، وانتهت الواقعة بخروج ياسر عرفات بحراً من طرابلس، يوم 19 /12 /1984 بموجب اتفاق!
لم ييأس ياسر عرفات من محاولة إقامة علاقات طبيعية، غير خضوعية، مع حافظ الأسد، إلا أن الأخير أعلنها خصومة مفتوحة، دونما حاجة إلى شرح أو إلى تبريرات. ومنذ واقعة طرابلس، بدأت واحدة من أبشع حملات التنكيل في التاريخ العربي كله، طالت منتسبي حركة فتح وكوادرها وفلسطينيين غير منتمين لها في سورية. وباعتبار سورية إقليماً شهد بدايات الارتكاز العلني لقوات الحركة، وكان القطر الذي امتزجت فيه فتح مبكراً بقاعدتها الاجتماعية، في مخيمات الفلسطينيين؛ فقد كان عدد المعتقلين كبيراً، وتعرض المسجونون للتعذيب الوحشي الذي ذاقت ويلاته كل ألوان المعارضة الوطنية السورية، من بعثيين سابقين ويساريين وشيوعيين وناصريين وإسلاميين.

يحدث في لبنان

لم يكن ثمة قانون، ولا جمعيات حقوق إنسان، ولا مدونات إنترنت، لكي تكبح جماح هؤلاء الوحوش، أو تفضحهم. وسيكون في وسع باحثين في التاريخ الاجتماعي الفلسطيني أن يغترفوا من مئات الحكايات التي تعرضت لها الأسر الفلسطينية. ولا نبالغ حين نقول إن بعض المسجونين خرجوا أشباه آدميين على وشك الموت، وأفرج عنهم عمداً، لكي يكونوا عبرة لغيرهم. وبعضهم لم يعثر على زوجته وأطفاله، وخصوصاً أولئك من ذوي الأسر الصغيرة التي ليس لها امتدادات في المحيط الاجتماعي الذي هو المخيم، لأنهم جاؤوا أصلاً إلى غاية النضال، إذ تم تصريف وجهة الأسرة إلى مآلاتٍ أخرى، تقشعر لها الأبدان، وفي بعض الحالات، كانت الإناث من الأطفال، بعد أن تعرضن للفاقة ولضغوط حقيرة من جلاوزة النظام الفاجرين، وجدن أنفسهن في الطرق الحرام، لتحطيم رب الأسرة إن كُتبت له نجاة. وكان مجرد تلقي المخصص المالي من "فتح" تهمةً تذهب بصاحبها إلى السجن، لكي يُنسى فيه.

في الوقت نفسه، كان الحكم اللبناني، المتوافق مع النظام في دمشق، يضيّق الخناق على الفلسطينيين في مخيماتنا في لبنان، ويطبق بالحذافير منع الاشتغال في نحو ثمانين مهنة، ويطارد منتسبي الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، أيضاً، كانت المصالحات في أوجها مع عملاء ومجرمي حرب، وقتلة ومهربي مخدرات، من المليشيات المسيحية المتحالفة مع إسرائيل، كإيلي حبيقة ومن معه وضباطٍ ومشتغلين في السموم عديدين. فقد كان سهلاً على النظام السوري أن يستوعب "استقلالية" العميل، ويغفر للخائن خيانته، ويفتح أبواب دمشق بالترحاب لهؤلاء، وأن يتمسك في الوقت نفسه باستحالة التصالح مع ياسر عرفات، لسبب واحد، هو إصراره على استحواذ الفلسطينيين على قرارهم الوطني المستعاد، إذ عندما ضاعت فلسطين، كان خلو يد الفلسطيني من قراره الوطني أحد أسباب الكارثة. كان عرفات جاهزاً للانفتاح على أمته، وقادتها في نطاق المشورة!

في يناير/كانون الثاني 1994، اغتنمها ياسر عرفات فرصة، لكي يلتقي بحافظ الأسد في مأتم نجله الأكبر باسل. لم يستطع عرفات أن يفتح ثغرة في موقف الأسد. بعد عامين، ذهب "أبو عمار" إلى القرداحة، لتعزية الأسد في وفاة والدته، وظل موقفه كما هو لم يتبدل، حتى عند مواجهة عرفات الأخيرة الشاملة مع الاحتلال، ثم تصدّيه لانقلاب إسرائيل على التسوية بإطلاق المقاومة. لم يتغير موقف الحكم في سورية. بالعكس، ازداد تحفزاً للهجوم على عرفات!  

وفي تجربة المقاومة، لم يتغير الموقف الأسدي كون الرجل يقاوم. فما حدث أن الراحل عرفات، لم يكن هدفاً لمحاولات تصفية سياسية، مثلما كان، وهو محاصر في "المقاطعة"، وجاءت ذروة استهدافه بالتصفية السياسية، متلفزة وعلى رؤوس الأشهاد، لكي يصبح "غير ذي صلة"، عندما منعه الحاكمون في دمشق من إلقاء كلمته، في قمة بيروت، عبر تقنية "الفيديو كونفرانس".

استشهد أبو عمار و"زالت العقبة" التي تكفل المحتلون بتصفيتها جسدياً، بعد أن أسهم النظام الأسدي في إضعاف عرفات سياسياً، في أثناء الحصار، حتى بات نادراً أن يرن هاتف الرجل المحاصر. وبعد شهر من رحيل عرفات، استقبل الوريث بشار الأسد، الرئيس محمود عباس، في المكان نفسه الذي قوبل فيه "أبو عمار" بفتور، من بشار نفسه، عندما جاء يقدم له التعازي في مأتم أبيه. لم يتح للرئيس ياسر عرفات، في تلك المناسبة، أن يلتقي بشار على انفراد، شأن الرؤساء المعزين. لكن بشار استقبل الرئيس أبو مازن ببشاشة، ربما ظناً منه أن القادة الفلسطينيين ينقلبون على أنفسهم، فتحاكم الصفحة الجديدة من سجل أسمائهم، الصفحة التي سبقتها وتُدينها. إن هذا ما كنا وما زلنا أحرص على دحضه. ولهذه الغاية، لا ينبغي أن يُمتدح النظام الأسدي!