الفلسطينيون ومفتاح التغيير في المنطقة

29 اغسطس 2020
الصورة

يتوّج اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي (إبراهام) سنواتٍ من التعاون التجاري، وأخرى من التحالف السياسي والأمني والعسكري بين الطرفين في ملفات إقليمية عديدة. وقد دانت القيادات السياسية للشعب الفلسطيني، ومؤسساته الرسمية، الاتفاق واعتبرته خيانة للقضية الفلسطينية، ونسفا لمبادرة السلام العربية، واستدعت السلطة الفلسطينية سفيرها في أبو ظبي. مع ذلك، يحتاج الفلسطينيون إلى استراتيجية متكاملة في مواجهة تبعات هذا الاتفاق الذي قد يكون حجر دومينو سيُسقِط معه أحجارا أخرى عربية، وخليجية خصوصا، لا تكفي معه إدانة وتخوين لا تتعدّيان حدود الموقف الشعبوي. يتطلب بناء تلك الاستراتيجية قراءة دقيقة للديناميكيات المستجدّة في المنطقة العربية ومحيطها في مرحلة ما بعد الربيع العربي، والتي فرضت سياساتٍ غير تقليدية، انعكست بشكل مؤثر على القضية الفلسطينية. 

تمسّك جيل "الآباء المؤسسين" الذين قادوا الدول الخليجية إلى الاستقلال بمواقف سياسية معادية لدولة الاحتلال، قبل أن تبدأ هذه المواقف بالتآكل

تمسّك جيل "الآباء المؤسسين" الذين قادوا الدول الخليجية إلى الاستقلال بأيديولوجيا ومواقف سياسية معادية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تبدأ هذه المواقف بالتآكل كلما تقدّمنا في الزمن بعيدا عن الجيل المؤسس. وعلى الرغم من التعاون العسكري السري، في ستينيات القرن الماضي، بين العربية السعودية، بقيادة الملك فيصل، وإسرائيل، في حرب اليمن، لمواجهة تهديد مشترك تمثل في مصر جمال عبد الناصر، إلا أن فيصل عاد عن هذا التحالف التكتيكي، ليلعب دورا رئيسيا في تنظيم الحظر النفطي العربي في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية إبّان حرب تشرين (أكتوبر) العام 1973. بقي الموقف الرافض للاعتراف بإسرائيل المهيمن على منظمة مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسها العام 1981، وحدها عُمان، بقيادة قابوس بن سعيد (توفي مطلع العام الحالي)، شذّت عن الموقف الخليجي، حين دعمت علنا مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية، وكانت من بين ثلاث دول عربية رفضت قطع علاقاتها مع مصر بعد "كامب ديفيد". 

بقاء القضية الفلسطينية حيةً في ضمائر الشعوب ضمانة حقيقية ضد التطبيع، ينبغي عدم التفريط بها

تكاثفت الاتصالات الدبلوماسية بين إسرائيل ودول في مجلس التعاون الخليجي بعد مؤتمر مدريد للسلام العام 1991، وبعد علاقات سرّية منذ السبعينيات، استضافت صلالة في سلطنة عُمان، في ديسمبر/ كانون الأول 1994، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، وزار الدوحة في العام 1996 رئيس الوزراء شيمون بيريز. ومثّلت مبادرة السلام العربية التي أطلقها ولي العهد السعودي، في حينه، عبد الله بن عبد العزيز، في قمة جامعة الدول العربية في بيروت العام 2002، انقلابا على النهج العربي السابق المتشدّد تجاه إسرائيل، وخرقا على صعيد الاستعداد العربي الجماعي للاعتراف رسميًا بوجود دولة الاحتلال. لم توقف المبادرة العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ولم تلق رواجا في دوائر صنع القرار الإسرائيلية والأميركية. وعلى الرغم من أنها جعلت حل الصراع الفلسطيني شرطا للتطبيع، كانت عواصم عربية تتعاون سرّا مع إسرائيل. فبعد وفاة رئيس دولة الإمارات، الشيخ زايد، في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2004، تحسّنت العلاقات بين إسرائيل والإمارات، ونمت علاقاتهما التجارية قبل أن تتحوّل إلى تحالف استراتيجي متنام، ولم يتعطل هذا التقارب، حتى بعد تعدي إسرائيل على السيادة الإماراتية، باغتيالها القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، في دبي العام 2010. هذا التقارب مع دول في مجلس التعاون الخليجي، رأى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وقطاعات هامة ضمن مؤسسته العسكرية والأمنية، مكاسب أكبر من مكاسب سلام بارد مع كل من الأردن ومصر اللتين خاضتا حروبا ضد إسرائيل.

سعى نتنياهو ومستشاروه إلى إقناع الدول العربية بأنه لا ينبغي لهم إبقاء "مفتاح التغيير بيد الفلسطينيين"

عمليا، تشاركت عواصم دول في مجلس التعاون الخليجي مع المسؤولين الإسرائيليين الإقرار بأن هناك حدودًا لمدى انفتاح العلاقة بين الطرفين، في غياب أي اختراق دراماتيكي يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبقاء القضية الفلسطينية قادرة على الحشد العاطفي. وبينما طالب زعماء تلك الدول إسرائيل بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليزدهر التعاون الإقليمي، أصرّ نتنياهو، على الأقل منذ خطابه في جامعة بار إيلان العام 2009، على أن إسرائيل يمكنها بناء علاقات دبلوماسية وتجارية كاملة مع الدول العربية في الشرق الأوسط من دون تسوية الصراع الفلسطيني أولاً. وسعى نتنياهو ومستشاروه إلى إقناع الدول العربية بأنه لا ينبغي لهم إبقاء "مفتاح التغيير بيد الفلسطينيين"، وفق تعبير المستشار السابق للأمن القومي الإسرائيلي، يعكوف عميدرور، وحثهم على إخراج العلاقات السرّية إلى العلن، وبعد أن منع المراقبون العسكريون الإسرائيليون التقارير عن التعاون العربي الإسرائيلي، خوفًا من أن تؤدّي إلى اندلاع مظاهراتٍ ضد الحكومات المتعاونة، اتّبع نتنياهو لاحقا أسلوب إحراجهم حين بدأ بتسليط الضوء على تلك العلاقات. كانت ردود أفعال الشارع انفعالية وغير مستدامة، وافتقدت للتنظيم، فلم تصبح مؤثرة بالمستوى الذي كان يخشاه المُطبِّعون. حدث ذلك أيضا حين شاركت الإمارات والسعودية ودول عربية أخرى في مؤتمر البحرين حول "صفقة القرن". واليوم تمثل الاتفاقية مع الإمارات، المتوقع توقيعها في البيت الأبيض بعد أيام، بالنسبة لنتنياهو انتصارا لمبدأ "السلام مقابل السلام" الذي تمسّك به في مواجهة مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي رفعه العرب، وإنجازا سياسيا في مواجهة عواصف سياسية داخلية، بعد وعوده الانتخابية المتكرّرة بضم أجزاء من الضفة الغربية، وفرصة للتراجع عما أصبح التزامًا شائكًا من الناحيتين، القانونية والدبلوماسية.

العواقب طويلة المدى، للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي بشأن التطبيع، سوف تعتمد على كيفية تنفيذها

بعد العام 2011، لم تعد القضية الفلسطينية المحور الوحيد الذي يعيد ترتيب السياسات في المنطقة، وبدا أن عواصم خليجية اقتنعت بأنه لا ينبغي إعطاء مفتاح التغيير للفلسطينيين، ووفرت ديناميكيات الشرق الأوسط المتغيرة اهتماما مشتركا بين صانعي السياسة الإسرائيليين والخليجيين بشأن قضايا عديدة مستجدّة، فوجدت الإمارات والسعودية في إيران تهديدا خارجيا للاستقرار الإقليمي، سيما مع تدخلها المباشر في سورية، وتنامي حربها بالوكالة في اليمن ولبنان والعراق. وأقنعهما توقيع الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 بأن إدارة الرئيس الأميركي السابق، أوباما، ليست ملتزمة بتدمير طموحات إيران النووية، أو إبقاء إيران مقيدة بالعقوبات. ويبدو أن مصر والأردن تساهمان، على ما يبدو، بمحاولة إقناع عواصم خليجية بفائدة مساعدة إسرائيل وموثوقيتها في الأمور الحيوية المتعلقة بالأمن القومي. تشارك الطرفان، أيضا، النظر إلى "الإخوان المسلمين" وغيرهم من الإسلاميين، بوصفهم تهديدًا داخليًا. وكان ذلك أحد أسباب دعم السعودية والإمارات للثورات المضادة في مصر واليمن وليبيا وتونس. وقد توجّس هؤلاء الزعماء الخليجيون من الربيع العربي، منذ وقفت واشنطن مكتوفة الأيدي أمام إطاحة حليفها القوي حسني مبارك. أما انسحاب أميركا من الشرق الأوسط الذي دشّنه أوباما مبدأً في السياسة الخارجية الأميركية، وتحمسّت له إدارة ترامب، وتردّْد ترامب في الرد على إيران ووكلائها بعد استهداف سفن ومنشآت نفط خليجية في عام 2019، فكانا من ضمن عدة عوامل أقنعت دولا خليجية بأن الولايات المتحدة قد تتخلى عنهم في أي لحظة، لتزداد جاذبية إسرائيل حليفا إقليميا قويا. 

في كل حال، العواقب طويلة المدى، للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي بشأن التطبيع، سوف تعتمد على كيفية تنفيذها، وعلى كيفية الاستجابة لها من دول أخرى. أما الفلسطينيون فمطالبون بالإمساك مجدّدا بمفتاح التغيير في المنطقة. مما هو ضروري على هذا الصعيد أن تستجيب القيادات الفلسطينية لإرادة الغالبية الفلسطينية، فتنحاز معها إلى جانب الشعوب العربية في انتفاضاتها ضد الاستبداد، انحيازا أخلاقيا حقيقيا لا براغماتيا، فبقاء القضية الفلسطينية حيةً في ضمائر الشعوب هي ضمانة حقيقية ضد التطبيع، ينبغي عدم التفريط بها.