الفلسطينيون والثورة السورية

الفلسطينيون والثورة السورية

12 فبراير 2016
الصورة
+ الخط -
الشعب العربي الوحيد الذي كان يجب أن يكون الى جانب السوريين، في صرختهم الأولى للحرية، وفي تعثر حراكهم، وفي محنة تكالب القوى من كل اتجاه على ثورتهم ومحاولات إجهاضها، وفي مأساتهم الكبرى التي لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، هو الشعب الفلسطيني. ليس لأن الفلسطينيين كما يحبون أن يصفوا أنفسهم شعب الجبارين المقاوم، منذ عقود طويلة ضد الاحتلال، بل لأن الفلسطينيين أكثر الشعوب العربية تعرضاً لتوحش النظام السوري، منذ ما يقارب الخمسين عاماً، وهم الذين استغلهم هذا النظام، واستغل قضيتهم، ليستمر نظاماً قمعياً ضد شعبه، والشعوب المجاورة باسم القومية العربية والوحدة الفارغة من كل مضمون، سوى الهيمنة وتأبيد سلطة الطغيان. منذ انطلقت الثورة السورية، انحازت الأحزاب الممثلة للفلسطينيين إلى جانب النظام، وبذلك وقفت ضد طموحات شعب شقيقٍ، وقف مع الفلسطينيين وقدم لفلسطين، كما وقفت ضد شعبها في سورية الذي انحاز إلى الشعب السوري، في صرخته من أجل الحرية.
قدمت فصائل اليسار الفلسطيني ذريعة اختراق إسلاميين الثورة السورية لتتملص من الموقف الثوري في الوقوف إلى جانب الشعب السوري، وهي التي طالما ملأت أدبياتها بنظريات تثوير المحيط العربي حول دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهي، في هذا الموقف، تناقض نفسها بالوقوف في حلف واحد مع حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين في صراعهما مع السلطة الفلسطينية. وأما حركة فتح فهي، حتى وإن لم تعلن موقفاً واضحاً مما يجري في سورية، الاّ أن بعض القيادات الأولى، أعلن انحيازه الى نظام الأسد في لعبة انتهازيةٍ، يحركها طموح في الصراعات الداخلية ضمن الحركة، ومراهنة على بقاء النظام، وبالتالي تحقيق مكاسب على المستوى الإقليمي، حين تمنح الفرصة للحلول على الساحة الفلسطينية. ولم يكن موقف حركة حماس يبعد كثيراً عن المحركات الإقليمية في ما يخص الثورة السورية، فقد كانت دائماً جزءاً من المنظومة الدولية لجماعة الإخوان المسلمين. وبالتالي، لا يمكنها أن تخرج عن مواقف تلك المنظومة، من غير أن تكون فاعلة حقاً لخصوصية موقعها الفلسطيني.
وإذا كانت هذه المواقف تثير الخيبة لدى السوريين، فإن الفاجعة تكمن في الوسط الشعبي الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية كلها، فباستثناء بعض المثقفين من بقايا اليسار الذين وقفوا في بداية الحراك السوري إلى جانب مطالب السوريين، والذين بدأوا ينسحبون تدريجياً إلى كهوف الصمت والخوف، والتردد في الإعلان عن مواقفهم المتضامنة حتى الإنسانية، فإن غالبية الفئات الشعبية الفلسطينية وقفت موقفاً أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه مخيب للآمال، فلم تعد تحركهم المجازر والحصار والتجويع الذي يتعرض له السوريون والفلسطينيون في سورية، وما عادت تلك الكارثة الكبرى التي فاقت ما تعرّض له أجدادهم في عام 1948 من تهجير ونزوح وعنف تترك أي أثر في نفوسهم. وللأسف الشديد، تقتصر الآن القوى التي حافظت على موقفها التضامني من الثورة السورية في فلسطين على القوى الإسلامية وأنصار التجمع الديمقراطي في الداخل وبعض المثقفين.
خذل الفلسطينيون ثورة الشعب السوري، حتى أن رموزاً مسيحية، مثل المطران عطا الله حنا، وقف، بوضوح، إلى جانب بشار الأسد، بحجج قومية فارغة، تغطي، في حقيقة الأمر، تبعيته للكنيسة الروسية الأرثوذكسية المتورطة بدعم الوحشية البوتينية في سورية.
يوماً بعد يوم، يتحول الفلسطينيون إلى يهود المنطقة، واستفحلت فيهم نزعة احتكار الألم، وتقديس دور الضحية المثالية، وإقصاء كل نزعة تعاطفية مع آلام الشعوب الأخرى، كما يفعل يهود إسرائيل منذ عشرات السنين، حفاظاً على دور الضحية القصوى. إلى ما قدمته هذه المواقف في دعم النظام القاتل، فإنها ساهمت، بوضوح، بتفتيت وحدة الشعب الفلسطيني، فتُرك فلسطينيو سورية ولبنان ضحايا نظام الأسد من خمسين عاماً إلى مصيرهم المأساوي، مع أشقائهم السوريين.