الفلاشا السمر والسوريون البيض

09 سبتمبر 2019
الصورة
"ترتاح ولاد الفلاشا وتشقى الملایین/ في صدري مخزن رشاشـة ونقول خوتي وین/ جاه النوم ونام الباشا ونحنا مشردیـن/ قوة تستعرض بالشاشة وصدت من التخزین/ وییییییین؟ وییییییین؟".
لم تغادر ذهني قصیدة "وین الملایین؟" للشاعر اللیبي علي الكیلاني، منذ وقعت عيناي على الخبر العاجل على قناة الميادين: "مصادر للميادين: المقاومة لاحظت أن الجندي ذو البشرة السمراء من يهود الفلاشة. فعدلت عن تنفيذ العملية"، نعم تراجعت المقاومة عن الخوض في معركة استرداد كرامتها، بعد أن أثخنت نيران العدو الإسرائيلي قواتها في لبنان وسورية والعراق مرارا وتكرارا.
بمنتهى الإنسانية واللطف، جاء هذا العاجل على إحدى شاشات التطبيل للمقاومة، ليكتب حاضرا وتاريخا مختلفا تماما عما نعرف، ضرب محور المقاومة أبهى دروس التحضر والتزام ضبط النفس في مواجهة العدو، ووقف بكل شمم وكبرياء أمام سمرة بشرة الجندي الإسرائيلي، وأوقف حربا كان في وسعها أن تحصد العشرات، وربما مئات من أرواح أبرياء.
منحنا هذا الموقف المهيب من حزب الله الدرس الأكبر، وأوضح لنا نقطة الخطأ التي وقعنا فيها في كل الحروب التي شنتها مليشياته في سورية على السوريين، من كرم الزيتون إلى الخالدية حتى القصير والقلمون ومضايا والزبداني والغوطة، ومعظم المدن والبلدات السورية التي وصلت إليها قوات الحزب. كنا نحن السوريين بيض البشرة، لم يقف بوجه عناصر حزب الله أي طفل أسمر، ولم يلحظ عناصر الحزب وقيادته وجود أي امرأة سمراء، وشبابنا كانوا بيض البشرة، زرق العيون ربما، فاختلط الأمر على عناصر الحزب، وقياداته.
بشرتنا البيضاء أو مساحيق التجميل التي كنا نستعملها هي ما أوقعت حزب الله في المحظور، فقتل أهالي القصير وهجّرهم وشرّدهم ومنعهم من العودة إلى بيوتهم، وحاصر أبناء داريا ومضايا والزبداني وجوّعهم، قبل أن يهجروا بعيداً عن بيوتهم وأراضيهم، بياض بشرتنا منع الحزب ومشغليه في طهران من وضع قواعد واضحة للاشتباك، ورسم حدود أي حرب قبل أن 
تبدأ.
سوف تقولون إن هذه أمثلة ساذجة، أو سخرية من الخبر العاجل ومن يقف وراءه، كان هذا واضحاً عندما نعت القناة التي جاءت بالخبر أنها إحدى شاشات التطبيل للمقاومة، نعم ستقولون ذلك. ولكن كم شخص من موالي محور المقاومة سيخرج ليقول إن ذلك العاجل كذبة ساذجة، واستخفاف بعقول حاضنة المقاومة، وسيذكر مقاتلي المقاومة بأغنية "وين الملايين"، وبجريمة الصهاينة كل الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني.
كم من شخص من موالي المقاومة سيرى أنه مضطر للتذكير بتفاصيل عملية البساط السحري عام 1951، والتي نقلت مائة ألف يهودي من أثيوبيا إلى فلسطين هم يهود الفلاشا، وعملية موسى الأولى عام 1977 وعملية موسى الثانية عام 1984 التي نقلت آلاف اليهود الأثيوبين عبر جسر جوي سري من أديس أبابا نحو جنوب السودان، ومنها إلى فلسطين؟ من سيصرخ ليقول كيف سرق يهود الفلاشا حق العودة من الفلسطينيين، ليطلقوه على عملية نقلت 25 ألف يهودي في الطريق نفسه نحو فلسطين، ليسلبوا بيوت الفلسطينيين وأراضيهم وأرزاقهم وممتلكاتهم؟ من سيقول إن هؤلاء ما زالوا يتدفقون إلى أرضنا، حيث نقلت عملية أجنحة الحمامة عام 2012 أكثر من سبعة آلاف يهودي؟ من سيخبر قادة حزب الله أن 60% من يهود الفلاشا يخدمون في جيش الاحتلال، وهم يعلمون أسباب حرص الكيان الإسرائيلي على تسهيل دخولهم إلى فلسطين، لأنهم أداة لتكريس الطابع اليهودي لإسرائيل في مواجهة النمو الديمغرافي العربي؟
وبعد هذا كله، كم شخص سيرى أن تلك المعركة برمتها مسرحية ممجوجة، لم تعد تقنع أحدا، حيث لا مؤشرات موضوعية أن أحدا سيفعلها، إضافة إلى أنه، وبعد حوالي عقد على بدء ثورات الربيع العربي، صار سهلا التمييز بين من مسّتهم لوثة الحرية وغرقوا في السعي اليها ومن وقفوا بعيدا لا شيء يعنيهم خارج مصالحهم الشخصية أو الحزبية والعقائدية الضيقة، بين من منحوا حياتهم من أجل وطن أفضل ومن تمسّكوا بالوهم ووافقوا على أن يكونوا مسلوبي الإرادة مستندين إلى ارثٍ بال من الأفكار والمعلومات، بين من كسروا جدار الخوف ومن اختاروا الحياة تحت أنقاضه، بين الصادقين والكاذبين من أصحاب الشعارات واليافطات.
DF15F22B-303B-4664-9DE6-53AE9E4DB75E
مها غزال