الفكر السياسي الإسلامي والظاهرة الاستبدادية

14 فبراير 2020

(ضياء العزاوي)

+ الخط -
من الأهمية بمكان، وفي رحاب تلك المقالات والمقولات للشيخ محمد الغزالي عن الظاهرة الاستبدادية، أن نعترف بأن هناك أزمة حقيقية في الفكر السياسي الإسلامي، وبما يؤكد أن الدراسة العلمية والمنهاجية لهذا الفكر، وذلك التراث الإسلامي السياسي، لم تستوف قدرها في الفحص والبحث والدرس، ذلك أن بعض المهتمين بتلك الدراسات، ومن باب إنكار انتقاداتٍ كثيرة يمكن أن توجه هنا وهناك للممارسات السياسية في تاريخ المسلمين، إلا أنه لا بد أن يعي هؤلاء أن تاريخ المسلمين السياسي، شأنه شأن كل تاريخ بشري في أحداثه وفاعليه، يصيب ويخطئ، بما يشير إلى ممارساتٍ تعبر عن تجاوز وانحرافات. لم يكن هذا التاريخ، بأي حال، تاريخ ملائكة أو أفراد معصومين لا يطاولهم الخطأ، ولا ترد عليهم التجاوزات. ولكن من واقع تفحص التاريخ السياسي، فإن تجاوزات مفصلية وقعت وانحرافات في المجال السياسي قد أطبقت، ولا بد في الدرس النقدي أن نقوِّم تلك الأمور، ونمكن لتفكير سياسي نقدي ضمن مسالك المراجعة، ومساءلة تاريخ المسلمين وتراثهم، والتجديد السياسي، والاجتهاد المطلوب القيام به، هذا المسلك التجديدي والأسلوب المنهجي قادران على بلوغ الدراسة العلمية والمنهجية، للخروج من تلك الإشكالات، والقصد إلى مسارات الإصلاح. 
انتشار مقولات مثل "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، و"ستون سنة بسلطان جائر خير من ليلة بلا سلطان"، والاستناد إلى شعار لم يكن إطلاقا قاعدة "من اشتدّت وطأته وجبت طاعته"، و"المستبد العادل"، كلها مقولات تمكّن لعمليات الاستبداد السياسي، وليس معنى ورودها في كتابات سياسية إسلامية، أو ورودها في نطاق المأثورات، أن نمرّر تلك المعاني، ونقر ما يتبعها من مترتبات، ذلك أن فكر التغلب الذي شاع في فترات تاريخية لضروراتٍ رآها بعضهم من الفقهاء، آن الأوان أن ننهض إلى رؤية نقدية واسعة لهذا الفكر، خصوصا أن استثماره في جوانب تتعلق بالجبرية السياسية من جانب، وتبرير الانقلابات العسكرية في خبرتنا المعاصرة، إنما شكّل مدخلا للإقرار بما لا يجب الإقرار به، وبتمرير ما لا يجب تمريره، وبتبرير ما لا يصح تبريره.
ومن هنا، هذا النقد الواسع مطلوب ومحمود، في هذا الباب الذي يؤكّد على فكر وسلوك سياسي 
يناهض كل مسالك الاستبداد وكل نزعات الطغيان، لأن المعادلة الأساسية التي تتعلق بشأن السلطة يجب أن نؤكد فيها على الأصل الأصيل الذي يتعلق بالرؤية التعاقدية في العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، وأن السلطة (الإمامة) في البداية والنهاية هي "عقد مراضاة واختيار"، على ما يؤكد الإمام الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية". وغاية الأمر في ذلك أن نؤكّد على منظومة القيم السياسية في البناء والأداء، على ما أورده الكاتب بكل نزاهة ودقة، لنؤكّد على اعتبارها مقاييس معيارية في البناء والأداء معا وعلى حد سواء، ذلك أن شأن شرعية السلطة لا يقلّ إلزاما عن شأن ضرورتها، فإذا كانت السلطة ضروريةً في الاجتماع الإنساني، فإن الشرعية ضرورة في الحكم المدني والأداء والإنجاز.
المعادلات التي تتعلق بـ"الوحدة"، واتقاء ما تسمى بالفتنة و"المثل والأفكار المرهقة" و"الهشاشة المؤسسية المزمنة"، على حد تعبير محمد مختار الشنقيطي، كل هذه الأمور، تستوجب النقاش في اتجاه النقد البنّاء، والبحث في الإمكانات التي تتعلق بمصادر التأسيس في هذا المقام، وما تقدّمه من رؤية، بما يشكل هذا مدخلا مهما نحو الخروج من أزمة الفكر السياسي الإسلامي، كل ذلك يحرّر البحث في الموضوع، ويجعل الخروج إلى عالم المسلمين من أزمتهم السياسية والدستورية غايةً ومقصدا واختيارا مأمونا، وتشخيص تلك الأزمة السياسية في الحضارة الإسلامية، بردّها إلى المفارقة بين المبدأ السياسي الاسلامي والواقع التاريخي الذي عاشه عالم المسلمين تاريخيا وما يعانونه من تبعاته إنما يعود إلى ما تحصل عن تلك المفارقة من تدافعٍ اتخذ، في بعض الأحيان، أشكالا من الصراع على الشرعية السياسية منذ منتصف القرن الأول الهجري.
من المهم في هذا المقام ألا يصرفنا أمر النقد ومساءلة ومراجعة التراث جملة عن موجبات التقدير الإيجابي للتراث السياسي الاسلامي، وفقه السياسة الشرعية في هذا المقام، وقدرته على الإشارة إلى منظومة القيم السياسية الإسلامية وروحها. ومن ثم، لم يكن هذا التراث بأسره في صف التغلب، بل شكّل، في بعض الأحيان، مناهضة له، مسترشدا بمعاني القيم السياسية الإسلامية، كما وردت حية في الوحي وأصول التأسيس المعتبرة. ومن المؤسف حقا أن بعضهم لا يتحدثون عن منظومة القيم بالتقدير الواجب الذي يستحقه، خصوصا الذين يعون غياب النص في المسألة السياسية الإسلامية، فإن "المشكلة بحق كانت في تغييب النص لا في غيابه"، على حد قول بعضهم، ذلك أن ما يبحث عنه هؤلاء مدّعين فراغا يجب ألا يُسَلّم لهم بذلك. ومن الضروري البحث عن تلك العوائق في السياق التاريخي، وما تبعه من تأثير بالغ في تدهور النموذج السياسي الذي تأسس على قاعدةٍ من منظومة القيم السياسية الإسلامية، وعاش أربعين عاما فقط ليعمّ الدولة النبوية والخلافة الراشدة، تحت دعوى أن عدد السنين اليسير إنما يدلّ على عدم قدرة هذه القيم على الفاعلية والتأثير. ولعمري، لا ينبغي أن يكون الحساب في هذا المقام مستندا إلى حساب السنين، ولكن إلى حساب السنن ومنظومة القيم.
ومن الأهمية أيضا التأكيد على ضرورة البحث المتأني في المسألة السياسية، من دون مواربة أو مجاملة، والمساءلة النقدية بميزان للتراث؛ والبحث عن ترجمة القيم السياسية إلى مؤسسات 
وإجراءات عملية، وأنه لا يمكن بأي حال التضحية بالشرعية السياسية لصالح وحدة الأمة، فلا الشرعية بالحسم من وحدة الأمة، ولا وحدة الأمة يمكن أن تقترن بفقدان الشرعية وضياعها، فإن سعيا حثيثا إلى تلمّس الطريق لإخراج الأمة الإسلامية من أزمتها الدستورية إنما يتأكّد من خلال مشروع تحرّري من الاستبداد، غير مسكون بهواجس الخوف من الفتنة من جانب. ومن جانب آخر، كما يقرر الكاتب من ضرورة الانتقال من القيم إلى الإجراءات، وتفعيل القيم السياسية الإسلامية ضمن أشكال مؤسسية ونظامية، وإجراءات عملية تحقق المقصود في البناء والأداء السياسيين.
الحديث عن تلك الأزمة في المجال السياسي إنما يشير إلى فصول متعدّدة لبعض الأزمات التي طاولت تلك الممارسات، وما ارتبط بها من إدراكات وتفكير، فضلا عن هذا، فإن عدم التفكير في منطقة المؤسسية إنما يشكل جانبا وزاوية أخرى في تلك الأزمة السياسية، استحضارا لقيم التأسيس التي توارت في أحيان كثيرة. فضلا عن ذلك كله، لم تتواكب الحركة السياسية بحال مع استيعاب المستجدّات في المجال السياسي، بما يمكن لنقلة نوعية في هذا المجال، وما يتطلبه ذلك من تحول مطلوب واجتهاد واجب، وتجديد مؤثر داخل صياغات الفكر السياسي الإسلامي التراثي والمعاصر. الإضافة النوعية إلى هذا المجال يمكن أن تحدث بكثير من الحوارات ومناقشة الإشكالات الحقيقية التي تخرجنا من حال الأزمة التي طاولت التفكير والتدبير في هذا المجال، وتحثّ على مزيد من الدراسات، تنتهج ما استطاعت مسالك النقد والترشيد، بما يحقّق نهضة الأمة في عالم السياسة والممارسة، وبما تتضمنه من رؤى تفصيلية اجتهادية وتجديدية، في إطار المدخل المقاصدي لمسائل كثيرة، تتعلق بمنظومات السياسة والدولة والحكم والمؤسسات والمجتمع.