الفقر والاستبداد المالي

03 يوليو 2020
الصورة

(عبد الرحمن الكواكبي)

تعود معاني العدل المادي في مواجهة الاستبداد والطغيان المالي عند عبد الرحمن الكواكبي إلى جوهر وظيفة المال في حياة البشر، وقيمة العمل في التحصيل المستحق، ذلك أن ".. أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلاثة أصول: استحضاره المواد الأصلية. تهيئته المواد للانتفاع. توزيعها على الناس".."ومن ذلك أنَّ الإسلامية.. وضعت للبشر قانوناً مؤسساً على قاعدة: إنَّ المال هو قيمة الأعمال، ولا يجتمع في يد الأغنياء إلا بأنواع من الغَلَبة والخداع"؛ ذلك أن ضبط العلاقة بين الأغنياء والفقراء تتطلب إعمال قيمة العدالة"... فالعدالة المطلقة تقتضي أن يؤخذ قسمٌ من مال ويُردّ على الفقراء؛ بحيث يحصل التعديل ولا يموت النشاط للعمل".. وهذه الأصول.. قررتها الإسلامية ديناً، .. أنواع العشور والزكاة وتقسيمها على أنواع المصارف العامة وأنواع المحتاجين حتى المدينين.. (بحيث) يلحق فقراء الأمة بأغنيائها، ويمنع تراكم الثروات المفرطة المولِّدة للاستبداد، والمضرَّة بأخلاق الأفراد.. ومن ثم إذا كان الكواكبي تحدّث عن الاستبداد المالي في وجهه المباشر المتعلق بالمال ومادته وجوهر وظيفته؛ فإنه يطرق جانبا آخر من ذلك الاستبداد المالي غير المباشر، حينما يتعرّض لظاهرة الفقر والفقراء في المجتمع والعلاقة بين الغنى والفقر؛ وربما يشير إلى حقيقة العدالة الاجتماعية كشعبة من قيمة العدالة المطلقة، وتحقيق مناطاتها الكبرى في حياة الناس وعلائقهم الاجتماعية. ويشير إلى فقر الأمم المأسورة من جرّاء الاستبداد بها في مجال الثروة والثروات العمومية.. "ولم يكن قديماً أهمية للثروة العمومية، أما الآن وقد صارت المحاربات محض مغالبةٍ وعلم ومال، فأصبح للثروة العمومية أهمية عظمى لأجل حفظ الاستقلال، على أنَّ الأمم المأسورة لا نصيب لها من الثروة العمومية، بل منزلتها في المجتمع الإنساني كأنعام تتناقلها الأيدي".

الكواكبي: الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال

من المهم الوقوف عند مفهوم "الإفقار" في إطلالة نظرية، كما أشار أحمد أبو مندور (وآخرون) في كتاب "الإفقار في بر مصر" (1998)، ولكنه في النهاية تعبير عن حالة "الإضعاف" التي تجعل الإنسان شديد الحاجة؛ وإذا أردت أن تتعامل مع المضمون السياسي للفقر، فإنه عمليةٌ تنطوي على علاقات قوة غير متكافئة، وتوزيعٍ غير عادل للثروة: "ما جاع من فقير إلا بما متع به غني". ومن ثم كانت حركة الإسلام دينا في التعامل مع الفقر، باعتباره مسألة تتلازم في عمقها وخطورتها مع الكفر. ومن هنا، يجب أن نفهم دعاء النبي: "اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر.." أخرجه البخاري. فهل بين الفقر والكفر من صلة؟ وهل تقاعس الدولة عن واجبها في مواجهة الفقر ليس إلا زحفاً على الدين؟ وزحفاً على كيان الإنسان؟ وهل إبقاؤه على حاله ليس إلا إخراجه من حال "التكريم الإنساني" بالفعل البشري؟ إن أبسط حقوق الإنسان أن يجد حقوق الحد الأدنى من الكفاف الإنساني للمحافظة على البنيان والكيان، فالإنسان بنيان الله ، ملعون من هدمه.. وهدمه أنواع، أخطرها فقرٌ مُذِلّ، وعِوَزُ حَاجةٍ قاهر، وربما يكون مُضِلاًّ. إلا أن أخطر أنواع الإفقار أن تصد الفقير عن نهضته بحاله، وسعيه إلى إنهاء حال فقره، وسد منافذ الحراك في وجهه أو محاولة ارتقائه، فإن ذلك إزهاق لروح الفقير وإيصال له إلى حال من اليأس المفضي إلى الكفر.

وها هو ابن المقفع يحدّثنا في واحدة من قصصه عن حال الفقير في "كليلة ودمنة" ".. ووجدت من لا مال له إذا أراد أمراً قعد به العدم عما يريده.. ومن لا مال له لا عقل له، ولا دنيا وآخرة له؛ لأن من نزل به الفقر لا يجد بداً من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مَقِتَ نفسه، ومن مقت نفسه كثر حزنه، ومن كثر حزنه قلَّ عقله وارتبك في أمره، ومن قل عقله كان أكثر عمله عليه لا له. ومن كان كذلك فأحرى به أن يكون أنكد الناس حظاً في الدنيا والآخرة... ثم إن الرجل إذا افتقر قَطَعَهُ أقاربه وإخوانه وأهل وده، ومقتوه ورفضوه وأهانوه، واضطره ذلك إلى أن يلتمس من الرزق ما يغرر فيه بنفسه، ويفسد فيه آخرته (يقصد دينه)، فيخسر الدارين جميعاً. وإن الشجرة النابتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس.. ووجدت الفقر رأسَ كلِّ بلاء، وجالباً إلى صاحبه كل مقت.. ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً، وأساء به الظن من كان يظن به حسنًا. فإن أذنب غيره كان هو للتُهمة موضعاً؛ وليس من خلَّةٍ هي للغني مدح إلا وهي للفقير ذمٌّ، فإن كان شجاعاً قيل أهوج. وإن كان جوَّاداً سمي مبذراً، وإن كان حليماً سمّي ضعيفاً، وإن كان وقوراً سمي بليداً، وإن كان صموتاً سمي عيياً، وإن كان لَسِناً سمّي مهذاراً، فالموت أهون من الحاجة التي تُحْوِج صاحبها إلى المسألة، ولا سيما مسألة الأشحاء واللئام. هذا حال الفقير حينما يعامله الناس". ويؤكد مصطفى صادق الرافعي في كتابه "المساكين" "من أجل ذلك يا بنيَّ ترى الأغنياء يخشون من الفقر على أنفسهم، وهم أنفسهم لا يخشون منه على الفقير... ولا تجد الفقير في أي عصر من العصور إلا جهة من الخلل في نظام الاجتماع الإنساني".

يتوج الكواكبي الحديث عن ظاهرة الفقر والعلاقة بين الغني والفقير، بالقول "لا! لا! لا يطلب الفقير معاونة الغني، إنما يرجوه ألا يظلمه

ويتوج الكواكبي الحديث عن ظاهرة الفقر والعلاقة بين الغني والفقير: "لا! لا! لا يطلب الفقير معاونة الغني، إنما يرجوه ألا يظلمه، ولا يلتمس منه الرحمة إنما يلتمس العدالة، لا يؤمِّل منه الإنصاف، إنما يسأله أن لا يميته في ميدان مزاحمة الحياة.. نعم! ‍لقد مات أحد طلابي في كلية الاقتصاد في ميدان مزاحمة الحياة، مات بتهمة "الخطيئة الأولى": الفقر!، مات والإدارة تقول له بلسان المقال أو بلسان الحال: المدعو "غير لائق اجتماعياً"؛ فكان من حسن فهم الكواكبي ألا يهمل هذا الجانب الخطير المتعلق بظاهرة الفقر وافتقاد حال العدل؛ من جرّاء نظرة الاستبداد إلى المال "إنَّ الاستبداد يجعل المال في أيدي الناس عرضةً لسلب المستبدّ وأعوانه وعمّاله غصباً، أو بحجةٍ باطلة، وعرضةً أيضاً لسلب المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظلِّ أمان الإدارة الاستبدادية. وحيث المال لا يُحصَل إلا بالمشقّة، فلا تختار النفوس الإقدام على المتاعب مع عدم المنِّ على الانتفاع بالثمرة". وكذلك فإن "حِفْظ المال في عهد الإدارة المستبدّة أصعب من كسبه؛ لأنَّ ظهور أثره على صاحبه مجلبة لأنواع البلاء عليه، ولذلك يُضطر الناس زمن الاستبداد لإخفاء نعمة الله والتّظاهر بالفقر والفاقة. ومن طبائع الاستبداد أنَّ الأغنياء أعداؤه فكراً وأوتاده عملاً، فهم ربائط المستبدِّ، يذلُّهم فيئنّون، ويستدرّهم فيحنّون، ولهذا يرسخ الذلُّ في الأمم التي يكثر أغنياؤها. أما الفقراء فيخافهم المستبدُّ خوف النعجة من الذئاب، ويتحبّب إليهم ببعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغصب أيضاً قلوبهم التي لا يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءةٍ ونذالة، خوف البغاث من العقاب، فهم لا يجسرون على الافتكار فضلاً عن الإنكار، كأنهم يتوهَّمون أنَّ داخل رؤوسهم جواسيس عليهم. وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرّهم فعلاً رضاء المستبدِّ عنهم بأيِّ وجهٍ كان رضاؤه".

اختتم الكواكبي حديثه في هذا الفصل واصفا الاستبداد بأنه شر داء وأشد وطأة من الوباء؛ "إنَّ الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربّها بكشف البلاء. الاستبداد عهدٌ؛ أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء، وأسعدهم بمحيّاه الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجّلون الموت فيحسدهم الأحياء".