الفساد في الأردن بين الثغرات والإجراءات

24 مارس 2019
الصورة
تدهور ترتيب الأردن في مؤشرات مدركات الفساد(فرانس برس)
يُعتبر الفساد أحد أهم الأسباب الكامنة وراء تعثُّر الاقتصاد الأردني وتردِّي الأوضاع المعيشية للأردنيين. ولم تتمكَّن الحكومة الأردنية لحدّ الساعة من كسر ظهر الفساد، الذي يستمرّ في النموّ نتيجة لتشابك المال والسلطة بين أيدي الفاسدين.

لقد أكَّد الملك عبد الله الثاني مراراً وتكراراً دعمه ومساندته لاجتثاث كافة أنواع الفساد، كما أثنى على جدية السلطات الأردنية في التعامل مع واحدة من كبرى قضايا الفساد في تاريخ الأردن والمعروفة بقضية الدخان.

إلّا أنّ تلك الحماسة لوحدها لم تستطع ردع تطوُّر منظومة الفساد، الذي أصبح أكثر تنظيماً نتيجة اختيار كبار المسؤولين الذين يتولون المناصب الكبيرة والحسّاسة، ويعتدون بشكل صارخ على سيادة القانون.

تحوم شبهات الفساد حول العديد من الملفات التي ثبُت فيها ضلوع مسؤولين كبار في الفساد، وللأسف، أدَّت المماطلة في طيّ تلك الملفات إلى إبعاد المسافات بين الدولة والناس، فبرنامج التحوّل الاقتصادي والاجتماعي لوحده استهلك ما يفوق 1.5 مليار دولار دون تحقيق أيّ نتائج تذكر حتى الآن. 

ومن دون الخوض في التفاصيل، فقد تسبَّبت مشاريع أخرى في إهدار المال العام، وبالطبع تحمّل المواطن الأردني تبعاتها المباشرة فما خفي كان أعظم، وكل ذلك يشكل وقوداً للاحتجاجات الحاشدة التي تهزّ الشارع من حين إلى آخر. 

ويمكن القول إنّ مبادرات الإصلاح وباقي الجهود المبذولة لم يكن بوسعها إلا الاكتفاء بمداعبة الفساد عن بُعد، من دون اقتلاعه من جذوره والإطاحة بكافة عَرَّابيه.

الفساد بالأرقام

تدهور ترتيب الأردن في مؤشرات مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لسنة 2018 مقارنة بسنة 2015، فقد حصل الأردن على 49 نقطة من أصل 100 نقطة سنة 2018 مقارنة بـ 53 نقطة سنة 2015، كما احتلّ المرتبة 58 عالمياً السنة الماضية. كما تُظهر نتائج استطلاعات الرأي للباروميتر العربي (الدورة الرابعة 2016-2017) بأنّ 41.1% من المستجوبين يرون بأنّ الفساد موجود في مؤسسات وأجهزة الدولة بدرجة كبيرة، كما أكَّد 16.8% أنّ الحكومة لا تقوم بالعمل على القضاء على الفساد، بينما أفاد 19.3% بأنّ الحكومة تعمل على القضاء على الفساد بدرجة قليلة، وأفاد 25.4% من المستجوبين بأنّ المواطنين في هذه الأيام لا يستطيعون انتقاد الحكومة بدون خوف، وهي نسبة معتبرة إلى حد ما.

وفي تقرير التنافسية العالمية لسنة 2018، حصل الأردن على 48 نقطة من 100 في مؤشر الفساد، إذ يساهم الفساد في تشويه مناخ الأعمال الأردني، علاوة على دوره الذي لا يُستهان به في تنفير المستثمرين، ولا سيَّما الأجانب منهم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أين هيئة النزاهة ومكافحة الفساد من هذا الوضع المزري؟ وكأنّها غير معنية بفضائح الفساد المدوّية التي تتفجَّر كل مرّة في الشارع، مع أن القانون منحها صلاحيات كبيرة لمحاربة هذه الآفة، ولكن تنتابها في كثير من الأحيان حالة صمت رهيب وهدوء عجيب، تثير فضول أيّ مواطن أردني يودّ أن يعلم لماذا لا تحرّك ساكناً.

ثغرات يتسلَّل منها الفساد

ممّا لا شكّ فيه أنّ البيئة التشريعية والقانونية الأردنية التي تحكم المؤسسات الحكومية، تشجِّع على استشراء الفساد وتجهض كل المبادرات الهادفة إلى مكافحته ووضع حدّ للعابثين بالمال العام. وأحياناً أخرى يساعد القانون، بالإضافة إلى توفُّر عوامل أخرى على ترسيخ الفساد، فعلى سبيل المثال القانون الذي يشترط مرور التحقيق في قضايا الفساد على هيئة النزاهة ومكافحة الفساد قبل إحالتها للقضاء، يخدم الفاسدين بشكل كبير لأنّ المسؤولين الذين يترأّسون هذه الهيئة كالجنرالات والقادة العسكريين لا يمتلكون خبرات قضائية وقانونية سابقة في هذا المجال.

هناك أيضاً ثغرة مهمّة أخرى تتسلَّل منها ممارسات الفساد، وتتمثَّل في ارتباط السلطة القضائية بوزارة العدل في الأردن، الأمر الذي يسمح باستمرارية تبعية السلطة القضائية للسلطة التنفيذية. 

علاوة على ذلك، هناك العديد من التشريعات الأخرى التي تتراوح ما بين قوانين وتعليمات تشوبها الكثير من الشبهات، نظراً لاحتوائها على فجوات جدّ مهمة يستغلّها الفاسدون لتكديس الأموال في أيديهم وأيدي ثُلّة من الأثرياء.

ولا يخفى على أحد الدور الكبير الذي تؤديه علاقات القرابة والمصاهرة بين كبار المسؤولين في الأردن، إذ تبتر تلك العلاقات أيدي العدالة التي تحاول أن تطاول الفاسدين، ولا يمكن أيضًا إغفال مساهمة ثقافة التقرُّب والتودُّد إلى الفاسدين بغية الظفر بالمنافع ونيل جزء من المغانم، وهذه الثقافة التي تسود المجتمع، لوحدها تحتاج لجهود جبّارة لإزالتها تدريجياً.

وبخلاف الفكرة السائدة، وهي أنّ القطاع العام هو الأكثر عرضة للفساد، يعاني القطاع الخاص أيضاً وبشدّة من الفساد، فالتهرّب الضريبي ليس أهمّ مرض ينهش جسد القطاع الخاص كما هو مُشاع بين مختلف فئات المجتمع.

ولم يسلم هذا القطاع من جشع الفاسدين الذين يتلاعبون بأموال ‏المساهمين، عن طريق تأسيس شركات وهمية والقيام بمشروعات وهمية، فضلاً عن انتشار المحسوبية والرشاوى في هذا القطاع.

وأفادت منظمة الشفافية الدولية بأنّ الفساد في الأردن ينشط بكثرة في العطاءات الحكومية، ومشاريع البنية التحتية، والعمالة الأجنبية المخالفة والتراخيص الممنوحة من قبل البلديات الأردنية، إضافة إلى التهرّب الجمركي والضريبي. وكباقي الدول العربية، فإنّ الفئات الأردنية ذات الدخل المرتفع والأكثر ثراءً، هي الأكثر فساداً نظراً لقدرتها على تحصين نفسها من الملاحقات القضائية، ولا سيَّما في ظلّ غياب سيادة القانون والعدالة والمساواة والشفافية والمساءلة.

كل مشكلة لها حلّ

في كل الدول العربية ومن دون استثناء، أعيت مشكلة الفساد من يداويها، ولكن الالتزام والإصرار هما السرّ في القضاء على الفساد حتى ولو طال أمد المهمة، فالحكومة الأردنية مثلاً على علم تامّ بأهمية مساهمة المواطن في اجتثاث الفساد وتعقُّب ومحاسبة الفاسدين.

ولكن هذه الحكومة يجب أن تتساءل عن العقبة الكؤود التي تحول دون قيام الأردنيين بالإبلاغ عن ممارسات الفساد التي يشهدونها مراراً وتكراراً، إذ يتردَّد الكثير من المواطنين في الإبلاغ عن الفاسدين وحوادث الفساد والاحتيال، إمّا نتيجة للخوف من العواقب الوخيمة التي قد تجرّها شجاعتهم، وإما بفعل فقدان الثقة بجدية الحكومة في متابعة وملاحقة ومحاسبة الفاسدين والقبض على المرتشين.

لذلك ينبغي على الحكومة توفير حماية أكبر للمُبلّغين والالتزام بمحاسبة المُبَلَّغ عنهم. هناك أيضاً ضرورة ملحّة لفصل السلطات وضمان استقلال القضاء من تعدِّي السلطة التشريعية، وتعتبر هذه الخطوة في غاية الأهمية لا فقط في مكافحة الفساد، ولكن أيضاً في سياق الإصلاح السياسي وباقي الإصلاحات الأخرى، نظراً لمساهمتها الفعّالة في تقليص الفجوة بين سَنّ وتنفيذ التشريعات المتعلقة بمكافحة الفساد، بالإضافة إلى الإفساح في مجال أوسع أمام منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، للقيام بدورهما في تعزيز رقابة الرأي العام على المال العام.

وعلى الحكومة أيضاً أن تكثِّف جهودها في صناعة الضمير والوعي المجتمعي بضرورة مكافحة آفة الفساد، من خلال دمج قيم النزاهة وثقافة محاربة الفساد في كافة المناهج التربوية بدءاً من المدارس وصولاً إلى الجامعات.