الفساد... العدوّ الأول لروسيا

28 مايو 2015
الصورة
يؤرق الفساد بوتين (كيريل كودريافتسيف/فرانس برس)
لم تخرج روسيا من مشكلة الفساد فيها، والتي اعتبرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضمن خمسة مخاطر تهدد أمن الدولة الروسية. ومع ذلك، يصعب الحديث عن نجاحات جوهرية في حلّها، وربما عن نوايا، لصعوبة الفصل بين السياسيين الكبار وقطاع الأعمال، وبالتالي تداخل المصالح والمنافع المشتركة.

وتحوّل كثير من رجال الأعمال الذين استفادوا من انهيار الدولة السوفييتية، وقوانين حقبة أول رئيس لروسيا الجديدة بوريس يلتسين لتصفية الإرث السوفييتي، إلى السياسة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر وكلاء يمثلونهم في دوائر السلطتين التشريعية والتنفيذية.

لذلك تبدو الإجراءات التي تتخذها السلطات الروسية أعجز عن حل مشكلة الفساد، وأقرب إلى ذرّ الرماد في العيون، فالفساد لا يتعلق فقط بتلقّي رشى، إنما يتمّ جني النسبة الأكبر من الأموال عبر امتلاك المعلومات حول المشاريع المستقبلية، بما في ذلك مضاربات العملة التي تعصف بروسيا وتهزّ اقتصادها، وتُفرغ جيوب الفقراء بين حين وآخر. بالإضافة إلى الدور المدمّر للفساد المستشري بين موظفي الدولة في دوائر الترخيص والرقابة، المسؤولة عن قطاعي الأعمال، المتوسط والصغير، والتي تؤدّي إلى شلّهما عملياً. ولا يبدو أن ثمّة مخرجاً آمناً لروسيا، ما لم يتطور قطاع الأعمال الصغيرة ويستوعب ما ينبغي من العمالة، كما أن لا أفق سياسياً ما لم تنتعش الطبقة الوسطى، التي قضت عليها حقبة البيريسترويكا، بصورة شبه نهائية.

اقرأ أيضاً روسيا تهدد المنظمات الأجنبية: خوف من ميدان معارض؟

ومن الشواهد، أنه تمّت إحالة مشروع قرار يقضي بمصادرة أملاك المسؤولين الفاسدين، في 19 مايو/أيار الحالي، كما جاء في صحيفة "روسيسكايا غازيتا". وبادر النائب أوليغ نيلوف إلى وضع مسودة المشروع، مؤكداً أنه "لا يتضمن ملاحقة قضائية لأقارب الفاسدين، إلا أنه سيكون عليهم إثبات شرعية مصادر أموالهم وممتلكاتهم، وإثبات تسديد الضرائب والرسوم المستحقة عليها، وفي حال عدم كفاية إثباتات شرعية الأموال والأملاك يُمكن مصادرتها".

أما المستثمرون ورجال الأعمال، الذين يخبرون عن الرشى، فيُمكن إعفاؤهم من الغرامات التي تتجاوز قيمتها قيمة الرشوة عشرات الأضعاف. مع العلم بأن القانون المعمول به حالياً، يعفي الأشخاص الذين يخبرون عن واقعة الرشوة من الغرامة فقط، ولا يشمل الشخصيات الاعتبارية (الشركات). ويبلغ الحدّ الأدنى للغرامة 20 ألف دولار، ويتصاعد وفقاً للعلاقة بين قيمة الرشوة والغرامة، ويمكن أن يصل إلى 40 مليون دولار.
وكانت السلطات الروسية قد أولت في السنوات الأخيرة اهتماماً لمبدأ شفافية عمل المسؤولين ووضعتها موضع التطبيق، وألزمتهم بالتصريح عن مداخيلهم وأملاكهم.

وتمّ اعتماد نظام إلكتروني للمشتريات الحكومية، يستبعد دور الأفراد في المفاضلة بين عرض وآخر في المسابقات الحكومية، وكثير من الإجراءات ذات العلاقة بالمسؤولين، تم تبسيطها أو جعلها شفافة، بحيث يستطيع أصحاب المصلحة الاطلاع عليها ومتابعتها.

إلا أن هذه الإجراءات لم تُفد في خفض مستوى الفساد في الدولة، ولا يبدو أن توقيف بعض المسؤولين وإحالتهم إلى القضاء يبدّل في السمة العامة التي تصطبغ بها الحياة الروسية، وهي أن الجميع، تقريباً، يرتشون أو يرشون، يسرقون أو يختلسون، كل حسب الموقع الوظيفي الذي يشغله، بما في ذلك في القطاع الخاص.

وما أعلن عنه أخيراً، على سبيل المثال، المكتب الصحفي في إدارة شرطة العاصمة الروسية، أنّ "نائب رئيس قسم الداخلية في دائرة موسكو الجنوبية، الذي لم يرد اسمه في الخبر، ألقي القبض عليه بتهمة تلقي رشوة بقيمة 119 ألف دولار. وأفاد المصدر بتوقيف العقيد أثناء تلقيه رشوة من امرأة مقابل عدم إحالتها إلى القضاء، من دون ذكر الجرم الذي تستّر عليه المسؤول مقابل المال.

وبعد يومين من ذلك، وُجّهت تهمة إلى وزير مالية إينغوشيا، رسلان تسيتشوييف، بـ"إساءة استخدام السلطة أثناء تخصيص أموال الميزانية البالغة 40 مليون دولار"، وفق ما نقلت وكالة "إنترفاكس" عن لجنة التحقيق الفيدرالية. وكانت الأسابيع السابقة قد شهدت تسريح عدد من ضباط الشرطة الكبار، من دون الكشف عن الأسباب.

ويبدو أن الحكومة تعد بالكشف عن مزيد من قصص الفساد المثيرة، وفقاً لوزير العمل الروسي مكسيم توبيلين، الذي ذكر أن "هناك تجميعاً للمعلومات، وللجهات القضائية حقّ الدخول إليها، وستسمعون عن كثير من القصص التي ستتحقق منها الجهات القضائية تدريجياً"، حسبما نقلت عنه وكالة "ريا نوفوستي".

وسبق للوكالة أن أوردت خبراً في 10 فبراير/شباط الماضي، نقلاً عن مدير إدارة الأمن الاقتصادي في الأمن الفيدرالي الروسي، ديمتري ريابوف، عن "إحالة أكثر من 80 قضية اختلاس أموال كبرى في مؤسسات الدفاع الروسية إلى القضاء في العام 2014، وأن الخسارة الناجمة عنها تتجاوز 100 مليون دولار".
وتحدث عن إحباط محاولات، في العام نفسه، بقيمة 3 مليارات دولار، مشيراً إلى وجود أكثر من خمسة آلاف ملف فساد في القضاء لعام 2014، بما فيها 1590 ملفاً، يخصّ موظفين في الشركات الحكومية والمشتركة، وأن أكثر من 1200 منهم تمت إدانتهم.

وفي السياق، كشف استطلاع للرأي أجراه صندوق الرأي العام، في 16 يناير/كانون الثاني 2015، بأن "ثلثي الروس يقرّون بمستوى عالٍ للفساد في البلاد". وعلى الرغم من ارتفاع هذه النسبة إلا أنها تقل بـ12 نقطة من مثيلتها قبل ثلاث سنوات (مارس/آذار 2012). ويفيد الاستبيان الأخير بأن الروس باتوا يتحدثون بصورة أندر عن ازدياد معدلات الفساد، مع تأكيدهم ببقائه على حاله من دون تراجع.

وفي حين يدين 61 في المائة من المُستطلعين، الذين يتلقون رشى، فإن نسبة من لا يدينهم غير قليلة وتصل إلى 29 في المائة. في المقابل، يدين 42 في المئة أولئك الذين يدفعون الرشى، و45 في المائة يجدون عذراً لهم. كما اعترف 23 في المائة من المُستطلعين بأنهم رشوا مسؤولين في الدولة.

اقرأ أيضاً: هل من تغير في الموقف الروسي من المسألة السورية؟
تعليق: