الفرصة التي يجب ألا نُضَيّع

21 نوفمبر 2019
الصورة
لبنان تنتفض ضد الفساد والساسة (حسن بيضون)
+ الخط -
الربيع العربي الذي بدأ عام 2011 كان من المفروض أن يعبّر عن تطلعات الشعب العربي وآماله لمستقبل أفضل قد تم الانقلاب عليه، فظهرت المرارة والحروب والدمار، وتقوية الأطراف غير العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ووجد العرب أنفسهم واقعين تحت التأثير الإيراني في سورية والعراق ولبنان واليمن، وارتفاع أسهم تركيا ونفوذها لدى كثير من العرب، ورأينا دول الخليج تقبل بمعادلة جديدة في علاقاتها مع أميركا طلباً للحماية، وتدخلاً إسرائيلياً مباشراً من أجل أن تبقى أميركا في صف العرب بوساطةٍ، ولو جزئية، من إسرائيل.

وها نحن نقف على أبواب عام 2020، فما هي الحصيلة؟
أولها تقهقر في معدلات النمو العربي، ومظاهرات وتجمعات عارمة تحتج على كل النماذج التي سعت إسرائيل لترسيخها. فالطائفية والإثنية كانت تخدم المشروع المتطرّف المنادي بتقسيم المنطقة إلى أعراق وطوائف وإثنيات، تكون إسرائيل أكبرها وأهمها. وما يجري في العراق ولبنان، ليس إلا دليلاً على رفض الشعب العربي، خصوصا المشرقي، هذه الدعوة البغيضة. وهذا خبر جيد.

وثانيها اكتشاف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن اليهود والمسيحيين الأميركيين الليبراليين لا يرون فيه الرئيس الناجح المفوه الذي يمثلهم. وعقلاء اليهود في الغرب يرون في بروز اليمين المتطرّف في الولايات المتحدة وأوروبا عدواً لهم على المدى المتوسط. ولذلك، هم يقاومون هذا التيار.

وصار هؤلاء الليبراليون أشد خصومة لرئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو، والذي يؤمنون بأنه اصطف بقوة مع المتدينين في الغرب والمتطرفين، ما دفع الرئيس ترامب إلى اتهام اليهود الذين لا يقفون معه بأنهم أعداء لليهود ولإسرائيل.

ووجد الليبراليون داخل إسرائيل في هذا فرصة متميزة للانقضاض على نتنياهو. وما قتْل المناضل بهاء أبو عطا في غزة، وهجومه عليها إلا ليستعيد صورته شخصا قويا. ولكن لا أحد يصدق ذلك إلا هو وجماعته المنكودة. وإنهاء ملك الأردن، عبد الله الثاني، العمل بملحقي اتفاقية السلام للعام 1994 بين بلاده وإسرائيل، قد اعتُبِرَ تحدياً واضحاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي.

في المقابل، ستؤدي الاحتجاجات في لبنان والعراق، بغض النظر عما ستؤول إليه الترتيبات داخل البلدين، إلى إضعاف نفوذ إيران فيها، كما حصل في سورية بترتيبات أميركية تركية روسية. وبازدياد الضغط على إيران من الولايات المتحدة، وتقاعس أوروبا عن بذل أي جهد لإنقاذ إيران من القبضة الحديدية.

ولذلك، سيأخذ الوضع الاقتصادي في إيران بالتراجع أكثر وأكثر. ويتوقع البنك الدولي أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية الإيرانية 2019/2020 بنسبة 10% عما كان عليه قبل عامين، مقابل ارتفاع كبير في الأسعار، وانخفاض في قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار.

ومع أن القيادة الإيرانية تمسك بزمام الأمور، إلا أن شرعيتها قد بدأت تتآكل، فرفع أسعار النفط خلال الأسبوع الحالي أشعل مظاهرات واحتجاجات فيها، واحتمالات إغلاق السوق والنفط العراقي أمامها، ومنعها من الاستفادة من النفط العراقي والسوري سيجعل إيران أكثر هشاشة في موازنتها العامة وقدرتها على الإنفاق. وكذلك، فإن إغلاق أبواب التعامل النقدي مع بعض أسواق الخليج سيحرم إيران من مصادر العملات الأجنبية القليلة التي تتوفر لها.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن فرص عودته رئيساً للوزراء تتضاءل، وبسبب تراجع الأوضاع الإيرانية داخلياً وفي الدول العربية الأربع التي كانت تتمتع فيها بنفوذ أكبر، ستجد دول الخليج نفسها أكثر ميلاً إلى التعامل مع الإدارة الأميركية الحالية مباشرة بدون وساطة إسرائيلية. وتريد الإدارة الأميركية لدول الخليج أن تتماسك وتستعيد قدرتها الدفاعية التي قامت على أساسها فكرة مجلس التعاون الخليجي عام 1981.

لهذا، قد تفتح التغيرات المتوقعة لجهة تضاؤل نفوذ اليمين الإسرائيلي وتراجع شعبية الحكم في إيران وشرعيته، المجال أمام إعادة الطمأنينة إلى دول الخليج، وإلى بناء أنظمة عربية أكثر وعياً بالأخطار التي تحيط بها، لو حافظت على أنمطة الحكم السابق والمستفزة للشعوب. إذا حصل هذا الوعي، فستسقط صفقة القرن، وسيستعيد العرب جزءاً من هيبتهم وحكمهم أنفسهم، وستعود التدفقات الاقتصادية والمالية والبشرية العربية البينية إلى مسارها الصحيح.

لا بد من التذكير هنا بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي نجح، خلال السنوات الماضية، في عدة أمور، أولها أنه حرّض على إيران، ونجح في إقناع الرئيس الأميركي ترامب بالإعلان من طرف واحد عن خروجه من الاتفاق النووي الموقع مع إيران إبّان إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما.

وقد قام ترامب بهذا العمل إرضاء للمتدينين (الإنجيليين) الذين يؤيدون إسرائيل على أساس أن وجودها شرط سابق لعودة المسيح عليه السلام قبيل يوم الحشر.

وثانيها، استعان نتنياهو بصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، وغيره من يهود أميركا البارزين، لنقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وبإيقاف العون إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وبإلغاء الدعم للسلطة الفلسطينية، وإغلاق بعثة منظمة التحرير داخل الولايات المتحدة، وإغلاق القنصلية الأميركية في القدس.

وثالثها، بتأثير واضح من نتنياهو وزمرته في الإدارة الأميركية، خرج علينا الرئيس الأميركي بالمقترح العجيب للوصول إلى حل سلمي بين فلسطين وإسرائيل، مسمياً إياه صفقة القرن، على أساس أن السلام بينهما سيقود إلى سلام شامل بين كل من الوطن العربي وحتى العالم الإسلامي مع إسرائيل.

تشير الأيام المقبلة والتصورات السياسية في الوطن العربي والدول المجاورة وداخل إسرائيل، إلى احتمال بروز فرصة عربية بإعادة العمل العربي المشترك وطرح مبادرة السلام العربية من جديد وبقوة داخل الإدارة الأميركية، وداخل إسرائيل نفسها، حتى يُعطى الفلسطينيون حقهم العادل بدولتهم المستقلة وعاصمتها القدس. يجب أن لا تضيع هذه الفرصة.