الفراعنة في المكسيك

05 فبراير 2020
الصورة
استحوذ الفراعنة الجدد على ملايين الدولارات على حساب الفقراء(Getty)

وصل أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إلى مقعد الرئاسة في المكسيك أواخر عام 2018، واعداً ناخبيه بالقضاء على الفساد، وزيادة الإعانات المالية للطلبة، ومضاعفة معاشات كبار السن، ومضاعفة الحد الأدنى للأجور، وإنشاء مائة جامعة، حتى يتمكن الجميع من إكمال تعليمهم في الجامعات الحكومية، فاعتبره الكثيرون مرسل الإعانة الإلهية لإنقاذ الشعب الذي عانى من فساد حكامه وبذخهم خلال العقود الماضية.

ومنذ توليه المنصب، عمد أوبرادور إلى أن يكون قدوة لشعبه في ترشيد النفقات والحفاظ على أموالهم، فلم يستغل طائرة الرئاسة التي اشتراها سلفه بأكثر من مائتي مليون دولار في التنقل داخل أو خارج البلاد، واعتبرها لا تتناسب مع الحالة الاقتصادية لبلده النامي، الذي تجاوز ناتجه المحلي 1.3 تريليون دولار العام الماضي.

وبعد توليه الرئاسة، شاهد العديد من ركاب الطائرات الرئيس المكسيكي جالساً على مقاعد الدرجة السياحية Economy class لشركة الطيران الوطنية.

وفوجئ أوبرادور قبل فترة بالتكلفة العالية للاحتفاظ بالطائرة، المصممة خصيصاً لرؤساء الدول، حتى في حالة عدم استخدامها، حيث تحملت الحكومة المكسيكية خلال الفترة الماضية أكثر من 1.5 مليون دولار لإبقائها في أحد المطارات بولاية كاليفورنيا الأميركية، القريبة من الحدود المكسيكية، فقرر أوبرادور على الفور بيعها!

حاول أوبرادور بدايةً بيع الطائرة للرئاسة الأميركية، إلا أن دونالد ترامب تجاهله تماماً، فتوجه بعرضه لرئيس الوزراء الكندي، بعد أن سمع بتعرض طائرته لصدام بسيط مع إحدى الحافلات العاملة بالمطار، فلم يلتفت إليه أحد، رغم أن طائرة الرئاسة المكسيكية كانت أفضل وأكبر من الكندية، على حد قوله!

وخفض أوبرادور المبلغ الذي يطلبه للتنازل عن الطائرة لمن يرغب في شرائها من المواطنين، فطلب 130 مليون دولار فقط للتسريع ببيعها، إلا أنه على ما يبدو لم يكن على دراية بالركود الضارب حالياً في سوق الطائرات الرئاسية، حيث لم يتقدم لشرائها، أو حتى التفاوض على سعرها، ولا حتى شخص واحد!

لم يستسلم الرئيس العنيد، فأعلن الأسبوع الماضي في مؤتمر صحافي إجراء سحب على الطائرة، يمكن لكل من يشتري تذكرة بقيمة 25 دولاراً دخوله، مستهدفاً بيع 6 ملايين تذكرة.

ووقف أوبرادور في المؤتمر الصحافي موقف الخبير المثمن، الذي يحاول الترويج لتحفة لديه راكدة، يأمل في اجتذاب مشترين لها، هاتفاً ببعض العبارات من نوعية "تحفة رائعة، ملء خزان الوقود يمكنها من الطيران لعشر ساعات متواصلة، تأخذك إلى أوروبا من دون الحاجة للتزود بالوقود، تستوعب ثمانين راكباً، بها غرفة نوم بسرير عريض وحمام خاص، كراسي ومكاتب فاخرة وجهاز للجري للاحتفاظ باللياقة".

وكعادة من يحاولون الإصلاح، لم يسلم الرئيس الزاهد من سخرية مواطنيه في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، سواء من المتورطين في الفساد مع الحكومات السابقة أو ممن يبذل أوبرادور الجهد لإصلاح أحوالهم المعيشية، ورغم أن بعضهم سال لعابه لمجرد تصوره الفوز بالطائرة مقابل شرائه تذكرة لا يتجاوز ثمنها تكلفة ملء خزان وقود سيارة متواضعة، أدرك الجميع ألا طاقة لهم بتكلفة التنقل بها أو حتى صيانتها، في بلد يسعى الآلاف من مواطنيه لعبور حدوده، وصولاً إلى الجارة الشمالية أميركا، التي تتحقق فيها الأحلام.

ولم يقتصر الأمر على الساخرين، حيث عبّر الكثير من المكسيكيين المتحذلقين عن حرجهم من تصرفات رئيسهم، واتهمه خصومه السياسيون بأنه يحاول صرف الأنظار عن مشكلات البلاد الحقيقية، من الركود الاقتصادي إلى معدلات الجريمة المرتفعة.
وقال البعض إنه يسير على نهج القياصرة الرومان، الذين وفروا لشعوبهم رغيف الخبز المدعوم، والسيرك المجاني، لصرفهم عن الانشغال بالسياسة أو الثورة احتجاجاً على أوضاعهم الاقتصادية.

لم يعاند الرئيس المكسيكي منتقديه، ولم يقل لهم إن من حقه شراء الطائرات الباذخة، أو بناء القصور الفارهة، بحجة أنها لن تكون له وإنما للوطن، وكان يحاول دائماً أن يكون في طليعة المنفذين للشعارات التي نادى بها خلال الحملة الانتخابية.

رفض أوبرادور أن تكون حكومته غنية بينما شعبها فقير، ولا يزال الشعب كله يتذكر جملته الشهير التي كررها قبل وصوله إلى الرئاسة، مندداً بشراء الطائرة الفارهة، أن حتى (الرئيس الأميركي باراك) أوباما لا يمتلك مثلها.

وتحولت الجملة الأخيرة إلى شعار يكرره أغلب المواطنين بسخرية واضحة على مدار العام الماضي، فاستغلها أوبرادور مرة أخرى في الرد على منتقديه، مرجحاً أن يُستوحى منها عمل "درامي" قريباً، يبرز مأساوية الوضع الاقتصادي للمكسيك.

وحتى تكتمل الدراما (لنا كمصريين)، أبى الرئيس المكسيكي، الذي تبعد بلاده عن بلادنا أكثر من 12 ألف كيلومتر، تقطعها الطائرة في ما يقرب من عشر ساعات، أن يتوقف قبل أن يتم كلامه قائلاً: "فقط عليكم أن تتذكروا أن هذه القصة لم تبدأ عند التفكير في بيع الطائرة، وإنما بدأت حين كانت لدينا حكومة فرعونية، يتنقل ملوكها في طائرات فاخرة!".

انتهت القصة العامرة بالطاقة الإيجابية بتلك العبارة المحبِطة، بعد أن ذكرتنا بالفراعنة وما توفر لهم من خيرات مكنتهم من الإنفاق والبذخ، ومع ذلك تركوا لنا كنوزاً وثروات لا تعد ولا تحصى، قبل أن يأتي فراعنة آخرون، فيبيعوا كثيراً مما بقي منها، ويعطوا حق إدارة ما لم يبع لمن لم تكن بلادهم على الخرائط قبل عقود بعدد أصابع اليد الواحدة! لم يفعل فراعنة زماننا ذلك بناء على دراسات جدوى موثوق فيها، أو بحسابات سليمة للمكسب والخسارة، وإنما فعلوه حفاظاً على عروشهم، ولتوفير ملايين الدولارات لبناء قصورهم ومدنهم التي يُحظر على أغلب أفراد الشعب المسكين الاقتراب منها.

استحوذ فراعنتنا على ملايين الدولارات لمواكبهم ومؤتمراتهم عديمة الجدوى، وتركوا ثلثي الشعب فريسة للفقر، ينهشه أو يكاد، وافتخروا بنجاح برنامجهم للإصلاح الاقتصادي، الذي دفع بخمسة ملايين مصري "إضافي" تحت خط الفقر، ثم أهدوا شركاءهم من حكام الدول الأخرى الأراضي والقصور المبنية بأموال كان يفترض أن تخصص لتعليم وعلاج الشعب. أفلا نستحق نحن أيضاً أوبرادور؟!